أخبار الجامعة الأردنية - ​ محاضرة دوليّة في مركز الدراسات الإستراتيجيّة في الجامعة الأردنيّة تناقش تحدّيات الوساطة وبناء السّلام في زمن الانقسام العالمي

​ محاضرة دوليّة في مركز الدراسات الإستراتيجيّة في الجامعة الأردنيّة تناقش تحدّيات الوساطة وبناء السّلام في زمن الانقسام العالمي

  • 17 - Feb
  • 2026

زايد الزيود – استضاف مركز الدراسات الإستراتيجيّة في الجامعة الأردنيّة محاضرة أكاديميّة متخصّصة حول تحدّيات الوساطة وبناء السّلام في عصر الانقسامات الدوليّة، قدَّمها الخبير الدولي والباحث الياباني الدّكتور دايساكو هيغاشي،و بحضور سفير اليابان لدى المملكة هيديكي أساري وأدارها مدير مركز الدراسات الإستراتيجيّة الدّكتور حسن المومني، وذلك في إطار نقاش أكاديميّ تحليليّ حول تجارب الوساطة الدوليّة وبناء السّلام في البيئات المنقسمة.

وجاءت المحاضرة بعنوان "تحدّيات الوساطة وبناء السّلام في عصر الانقسام: الحروب في غزّة وأفغانستان وجنوب السودان وأوكرانيا"، حيث تناول المحاضر هيغاشي تحليلات مقارنة لتجارب ما بعد النزاعات، مشيرًا إلى أنَّ استدامة الاستقرار في الدول الخارجة من الصراع ترتبط بقدرة الأنظمة السياسيّة على ترسيخ ما يعرف في أدبيات بناء الدولة بعد النزاعات بـ"الشرعيّة المحليّة"، أي القبول المجتمعي بالمؤسّسات والقانون بما يعزّز الامتثال الطوعي للنظام العام. وبيَّن أنَّ الاستقرار القائم على الإكراه أو توازنات القوة المؤقّتة يظلّ هشًّا في ظلِّ الانقسامات العميقة.

وتندرج هذه المحاضرة ضمن مسار التعاون الأكاديميّ المستمرّ بين الجامعة الأردنيّة وجامعة صوفيا في طوكيو منذ توقيع مذكّرة التفاهم بينهما في حزيران 2025، وهو تعاون أسهم في تعزيز الحوار العلميّ حول قضايا بناء السّلام، ولا سيّما في المناطق المتأثرة بالنزاعات، وأتاح تبادل الخبرات البحثيّة في دراسة التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة في مرحلة ما بعد الصراع.

وخلال عرضه، قدَّم هيغاشي قراءة تحليليّة مستندة إلى خبرته البحثيّة والميدانيّة في مناطق النزاع المتعددة، مستعرضًا أطروحته حول بناء الشرعية الداخليّة للدولة في مرحلة ما بعد الصراع، وهي الفكرة التي طوّرها في أبحاثه منذ عام 2015، ومفادها انَّ الحدّ من عودة العنف يتطلب بناء مؤسّسات تحظى بقبول مجتمعيّ وليس مجرد قدرة مؤقّتة على فرض السيطرة الأمنيّة.

وفي هذا السياق، استعرض أربعة مرتكزات رئيسة ترتبط في الأدبيات المقارنة بإمكانات بناء حكومات شرعيّة قادرة على منع تجدد الحروب الأهلية، تتمثّل في وجود طرف ثالث موثوق يشرف على العمليات الانتقالية لتعويض غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، وضمان شمولية العمليّة السياسيّة وتجنب الإقصاء، وتعزيز المصالحة المجتمعيّة وتحسين الظروف المعيشيّة والتوزيع العادل للموارد، إضافةً إلى وجود مؤسّسات أمنية مهنيّة قادرة على حفظ النظام العام وحماية مؤسّسات الدولة.

كما تناول دور الفاعلين الدوليّين في مراحل ما بعد النزاع، مشيرًا إلى أنَّ تجارب عديدة تظهر أنَّ الأمم المتحدة تضطلع بدور محوريّ في دعم بناء المؤسّسات وإعادة الإعمار، في حين تواجه في بعض الحالات تحدّيات أكبر خلال جهود الوساطة المباشرة أثناء الحروب نظرًا لتعقيدات موازين القوى الدوليّة والإقليميّة.

وتطرّق المحاضر إلى التحدّيات المرتبطة بالحفاظ على وقف إطلاق النار في غزّة، عارضًا مجموعة من السيناريوهات والتحليلات البحثيّة التي ناقشها في دراساته منذ مطلع عام 2024، من بينها أهمية تطوير أُطر حوار سياسيّ مُستدامة تدعم التسويات طويلة الأمد، ودراسة خيارات ترتيبات رقابية دوليّة محتملة في مرحلة ما بعد العمليات العسكرية، إضافةً إلى إجراءات ميدانيّة تدريجيّة قد تُسهم في تهيئة بيئة تفاوضية أكثر استقرارًا مثل سيناريوهات الانسحاب العسكري المرحلي من مناطق التماس، بما في ذلك المناطق المتاخمة لما يعرف بالخط الأصفر.

وأشار الباحث إلى أنَّ هذه المقاربات تتوافق مع المبادئ الأساسية لما يعرف بـ (حلّ الدولتين) الذي يهدف إلى إقامة دولتين متجاورتين تتمتعان بالأمن والاستقرار ،مع ضمان الحقوق المشروعة لكلّ طرف. وأكَّد أنَّ استدامة التهدئة لا ترتبط بالإجراءات الأمنية وحدها، بل بوجود ترتيبات سياسيّة واقتصاديّة تعالج جذور الصراع ، مؤكّدًا أنَّ الوساطة في البيئات المنقسمة تظلّ عمليّة معقدة بسبب تعدد الأطراف وتضارب المصالح الدوليّة، ما يتطلب مرونة عالية وتدرّجًا في تصميم عمليات السّلام.
 
بدوره، أوضح المومني أنَّ الشراكة العلميّة مع جامعة صوفيا تمثّل نموذجًا للتعاون الدولي القائم على إنتاج المعرفة التطبيقيّة المرتبطة بقضايا الاستقرار الإقليمي، مؤكّدًا أنَّ دور مراكز الفكر لا يقتصر على التحليل الأكاديمي بل يمتدّ إلى توفير منصّات للحوار الدولي وصياغة مقاربات جديدة للانتقال من إدارة الصراعات إلى بناء سلام مُستدام يعالج جذور الأزمات.

واختُتم اللقاء بنقاش أكاديميّ  ركَّز على أهمية إعادة توجيه الأجندة الدوليّة نحوَ بناء سلام طويل الأمد قائم على معالجة الأسباب البنيويّة للنزاعات، وتعزيز دور البحث العلمي في دعم السياسات العامة المرتبطة بالأمن والاستقرار، في سياق نقاشات أكاديميّة تعكس تنوّع المقاربات البحثيّة في مجال بناء السّلام.