أخبار الجامعة الأردنية - الأستاذ الدكتور فالح السواعير نائب رئيس الجامعة الأردنية لشؤون الاعتماد والتصنيفات العالمية والاستدامة

البحث العلمي في الأردن بين الواقع والطموح: هل يكفي النمو الكمّي لتحقيق الأثر؟
الأستاذ الدكتور فالح السواعير نائب رئيس الجامعة الأردنية لشؤون الاعتماد والتصنيفات العالمية والاستدامة

  • 18 - Nov
  • 2025
​يشهد الأردن في السنوات الأخيرة حراكًا بحثيًا لافتًا، تُرجم بارتفاع أعداد الأبحاث المنشورة في قواعد المجلات العالمية، وتحسّن نوعي ملحوظ في أوعية النشر، وزيادة الاستشهادات، واتساع شبكة التعاون الدولي. هذه المؤشرات تعكس بلا شك نموًا مهمًا في النشاط البحثي الأكاديمي، وتمثل خطوة إيجابية في مسيرة تطوير المعرفة. لكن يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل وصل تأثير هذا البحث العلمي إلى مستوى الطموح الوطني؟ وهل انعكس هذا التقدم على الاقتصاد والخدمات العامة والابتكار الصناعي كما ينبغي أن يحدث في الدول التي تُوظّف العلم كأداة للتنمية؟
ولعل هذا السؤال قد قادني شخصيًا للتفكير أثناء زيارتي إلى كوريا الجنوبية قبل أسبوعين. فبينما أتأمل ما حققته هذه الدولة خلال عقود قليلة، تساءلت: كيف تحولت كوريا، التي كانت يومًا ما خارجة من حرب مدمرة، إلى واحدة من أكثر اقتصادات العالم ابتكارًا وتقدمًا؟ وأين يكمن السر في هذا التحول اللافت؟ من الواضح أن المسألة لم تكن مجرد زيادة في عدد الأبحاث المنشورة، بل في بناء منظومة وطنية متكاملة للابتكار، تقوم على ثلاث ركائز أساسية -الحكومة والشركات والجامعات- وتعمل بتناغم محكم جعل البحث العلمي جزءًا من استراتيجية الدولة وليس نشاطًا أكاديميًا منفصلًا.
فقد لعبت الحكومة الكورية دور المخرج الاستراتيجي لمنظومة البحث العلمي، إذ لم تكتفِ بتمويله، بل وضعت أجندة وطنية طموحة تحدّد بوضوح المسارات المستقبلية للدولة. ومن خلال وزارات وهيئات مثل وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمؤسسة الوطنية للبحث العلمي، أطلقت برامج بحثية ضخمة موجّهة نحو أولويات وطنية محددة بعناية. فلم تسعَ كوريا إلى التفوق في كل شيء، بل ركّزت مواردها (راهنت) على عدد من القطاعات الاستراتيجية التي يمكن أن تحقق فيها هيمنة عالمية، مثل أشباه الموصلات، والشاشات المتقدمة، والبطاريات، والمركبات ذاتية القيادة، والطاقة النظيفة. كما قدّمت الحكومة حوافز مالية وضريبية واسعة للأنشطة البحثية والتطويرية في الشركات، ما خفّض من مخاطر الاستثمار المكثّف في البحث والتطوير (R&D) وشجّع القطاع الخاص على التوسع فيه. وبالتوازي مع ذلك، أسست بنية تحتية بحثية قوية على مستويين: مستوى الأبحاث الأساسية-العلم الذي يُحرّكه الفضول ويُشكّل البذرة للتكنولوجيات المستقبلية-وخصصت له معهد العلوم الأساسية؛ ومستوى الأبحاث التطبيقية والتجارية، وخصصت له معهد أبحاث الإلكترونيات والاتصالات، اللذان لعبا دورًا محوريًا في دفع مسار الابتكار الكوري وتسريع الاستفادة من المعرفة في الصناعة والأسواق.
أما الشركات الكبرى، أو ما يُعرف بالتشيبول، فقد مثّلت المنفّذ الرئيس للبحث العلمي في كوريا الجنوبية، إذ تتحمّل نحو 80% من إجمالي الإنفاق الوطني على البحث والتطوير. وتُنفق كوريا سنويًا أكثر من 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير، أي ما يقارب 80 مليار دولار أمريكي، لتبقى في صدارة دول العالم الأكثر استثمارًا في الابتكار. وفي المقابل، لا يتجاوز إنفاق الأردن على البحث والتطوير 0.5% من ناتجه المحلي الإجمالي، أي ما بين 150-180 مليون دينار أردني سنويًا، يساهم القطاع الخاص فيها بنسبة تتراوح بين 10% -20% فقط. وتدير التشيبول مراكز بحث وتطوير عملاقة تضم آلاف الباحثين والمهندسين، وتعمل وفق نموذج التكامل العمودي الذي يسمح بالتحكم في سلسلة الإنتاج كاملة، من المواد والمكونات إلى تصميم المنتج النهائي والبرمجيات، مما يخلق تآزرًا قويًا يعزز القدرة على الابتكار ويُسرّع تحويل الأفكار إلى منتجات. كما انفتحت هذه الشركات على العالم عبر الاستحواذ على شركات ناشئة، وبناء شراكات بحثية مع جامعات ومختبرات دولية، لضمان مواكبة أحدث التقنيات العالمية.
وفي الجانب الأكاديمي، قدّمت الجامعات الكورية الدور الحاسم في بناء رأس المال البشري، إذ تصدّر المجتمع الكوري معدلات التعليم العالي عالميًا، مما وفّر للقاطرة البحثية والصناعية تدفقًا مستمرًا من العلماء والمهندسين الموهوبين. ورغم وجود تحديات تتعلق بضعف الربط بين البحث الجامعي والتطبيقات التجارية، فإن الجامعات ما تزال مصدرًا رئيسًا للمهارات التي يعتمد عليها القطاعان العام والخاص في دفع عجلة الابتكار.
عند مقارنة هذا النموذج بالواقع الأردني، نجد أن الأردن يملك قاعدة علمية وبحثية جيدة، ويمتلك جامعات ذات كوادر متميزة، ومع ذلك يبقى تأثير البحث العلمي على الاقتصاد والخدمات محدودًا. ويعود ذلك إلى غياب المنظومة المتكاملة التي تربط بين الأطراف الثلاثة. فغالبًا ما تعمل الجامعات بمعزل عن احتياجات الصناعة، ويظل القطاع الخاص مترددًا في الاستثمار في البحث والتطوير، بينما لا تزال البرامج الوطنية الكبرى في مراحلها الأولى أو غير مرتبطة بآليات واضحة للتنفيذ والشراكة.
إن الانتقال من مرحلة “ارتفاع عدد الأبحاث” إلى مرحلة “ارتفاع أثر الأبحاث” يتطلب رؤية وطنية شاملة تجمع الحكومة والجامعات والقطاع الخاص حول أهداف مشتركة، وتربط البحث العلمي بالمشكلات الوطنية وبالفرص الاقتصادية الحقيقية. فلا يمكن لجهة واحدة، مهما كانت قدراتها، أن تصنع الأثر وحدها. والتجربة الكورية تقدم الدليل الأقوى على أن البحث العلمي يصبح قوة تغيير فقط عندما يكون جزءًا من منظومة استراتيجية موحدة. آن الأوان لنقيس نجاحنا بعدد الشركات الناشئة التي أطلقناها، وبراءات الاختراع التي سجلناها، والمشكلات الوطنية التي استطعنا حلها من خلال البحث العلمي. فالطاقات البشرية متوفرة، والأساس موجود والطموح عالٍ، لكننا نحتاج إلى خطة شاملة تجمعنا جميعًا نحو هدف واحد: بناء اقتصاد معرفي حقيقي.