
د عبد الهادي القعايدة
في زاويةٍ ما من ذاكرة عمّان، تستيقظ الجامعة الأردنية كل صباحٍ كأنها قصيدة لا تُنهيها الأيام، تمشط شعرها بأغصان الزيتون، وتضع على كتفها عباءة الزمن، ثم تمضي لتستقبل جيلاً جديدًا من العابرين نحو الضوء وغدٍ من ورد.
لم تكن «الأردنية» في البدء حجارةً وخرائط بناء، بل كانت حُلمًا هاشميًّا شجاعًا، ولد في قلب الحسين، حين أدرك أن الوطن لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بالكلمة، والفكرة، والكتاب الذي لا يحترق.
عام 1962، وُضع أول حجر، لم يكن حجرًا عاديًا، بل وعداً كتب عليه بحبر الأحلام: «هنا يبدأ الوطن فكرًا... لا جغرافيا فقط.» ومنذ ذلك اليوم، نبتت الجامعة كما ينبت الورد في أرضٍ عطشى، غذّتها الأحلام، وسقتها دموع الممتحَنين، ورعاها الآباء المؤسسون كما تُرعى القصائد الأولى: بخوف، وحبّ، وكثيرٍ من الأمل.
يا أردنية، يا أمّ الجامعات... ويا ذاكرة الورد والمطر،
كم شابًا حمل في أروقَتك صوته، ورحل؟
وكم حُلُمًا وُلد على مقاعدك الخشبية، ثم خرج ليفتش عن مكانه في العالم؟
أشجارك شاهدة على مولدك الأول، وعلى الدرس الأخير، وعلى الذين قالوا «لن نعود» وعادوا،
وعلى الذين قالوا «سنبقى»... واختفوا كأنهم سطورٌ شُطبت من دفتر الزمان.
وحين مرّ الزمن واشتدّ، لم تهمدي، لم تُصابي بالشيخوخة، بل ازددتِ وقارًا، وجمالاً وقبابًا وعلو سرو، ومتسع معرفة وعلوم.
ووقف جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جوارك بكل فخر، يُجدد لك الوعد ويحفظ عليك وعد الحسين؛ أنك ستبقين منارةً لا تنطفئ، وأن المعرفة فيك حقٌّ مقدّس لا يُساوَم عليه.
فكانت رعايته لك امتدادًا لذلك الحلم الهاشمي الأول، رعاية من يرى أن العلم ليس زينةً وطنية، بل حصانة أخلاقية وثقافية، وأن الجامعة ليست مؤسسة بل مرآة للأمة حين تنظر إلى وجهها الحقيقي.
واليوم، وبعد أكثر من ستين ربيعًا من عمرك الجميل، ما زلتِ واقفة كشجرة سنديان، لا تهاب الريح، ولا تغيّرك الفصول. تفتحين ذراعيك لكل من يحمل دفترًا وقلقًا، لكل من يبحث عن اسمه بين الحروف، وعن مستقبله في سطورٍ لم تُكتب بعد... ومع هذا العمر المديد، لم تكتفِ «الأردنية» بأن تكون ذاكرة وطنية وحلمًا مؤسسًا، بل راحت تخطّ حضورها في خرائط العالم، فتقدّمت في مستويات التصنيفات الدولية، ووسّعت برامجها الأكاديمية والبحثية لتلبي طموحات أجيالٍ متعاقبة، وتفتح نوافذ أرحب على المعرفة والابتكار. إنها اليوم لا تقف عند إرثها المجيد، بل تمضي بخطى واثقة نحو المستقبل، لتظلّ قصيدةً لا يُنهيها شاعر، ووطنًا صغيرًا بحجم حرم، كبيرًا بحجم وطن من ورد.