أخبار الجامعة الأردنية - د. أحمد الخصاونة

الجامعة الأردنية.. ستة عقود من العلم والبناء
د. أحمد الخصاونة

  • 03 - Sep
  • 2025



د. أحمد الخصاونة

في الثاني من أيلول، يستحضر الأردنيون ذكرى تأسيس الجامعة الأردنية، أول صرح علمي وطني احتضنته العاصمة عمّان منذ عام 1962، لتبدأ معه مسيرة جديدة من البناء والتنمية، قوامها العلم، وغايتها الإنسان. لقد أرادها الآباء المؤسسون بيتاً للفكر، ومنارة للمعرفة، ومصنعاً للكوادر التي تنهض بالوطن وتخدم الأمة. واليوم، بعد مضي أكثر من ستة عقود، تظل الجامعة الأردنية عنواناً للفخر ومصدراً للاعتزاز، ورمزاً للمكانة التي يحتلها الأردن في فضاء التعليم العالي العربي.
منذ لحظة التأسيس، ارتبطت الجامعة الأردنية بفكرة الدولة نفسها؛ إذ جسّدت طموح القيادة الهاشمية في بناء مؤسسة أكاديمية تضاهي مثيلاتها في العالم، وتكون لبنة أولى في مشروع وطني كبير. لم تبدأ بخطوات مترددة، بل انطلقت بكليات محدودة لكنها راسخة، تحمل رؤية واسعة وإرادة صلبة. وما لبثت أن توسعت، فغدت اليوم مدينة أكاديمية نابضة تضم عشرات الكليات والمعاهد والمراكز البحثية، وتستقبل آلاف الطلبة من مختلف أنحاء المملكة والعالم.
لقد حملت الجامعة الأردنية رسالة وطنية وقومية منذ نشأتها. فمن قاعاتها تخرّج الأطباء والمهندسون والمعلمون والقضاة والعسكريون، الذين رفدوا مؤسسات الدولة وأسهموا في نهضتها. ومن مدرجاتها انطلقت أصوات الفكر والحوار، حيث كان الحرم الجامعي مرآةً للحياة السياسية والثقافية، ومنبراً للنقاش الحر المسؤول، ومختبراً حياً للتجارب الديمقراطية الطلابية. لقد كانت الجامعة الأردنية بحق فضاءً يجمع التنوع الفكري، ويعكس ثراء المجتمع الأردني وانفتاحه.
أما في مجال البحث العلمي، فقد أدركت الجامعة الأردنية مبكراً أن رسالتها لا تقتصر على التعليم، بل تتسع لتشمل الإبداع والابتكار. فأطلقت المراكز والمعاهد المتخصصة، وشجعت أعضاء هيئتها التدريسية على البحث والتأليف، وربطت العلم بقضايا الوطن واحتياجاته. في مختبراتها وعياداتها وحقولها الزراعية وورشها الهندسية، وُلدت أفكار وحلول أسهمت في تطوير قطاعات حيوية كالصحة والزراعة والطاقة والمياه، فصارت الجامعة مرجعاً علمياً يعتد به على المستوى الإقليمي.
ولم تقف الجامعة الأردنية عند حدود الماضي، بل سعت في العقدين الأخيرين إلى التوجه نحو المستقبل. فأدخلت برامج نوعية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والعلوم الطبية المتقدمة، وأنشأت حاضنات ابتكار ومسرّعات أعمال لتشجيع الطلبة على ترجمة أفكارهم إلى مشاريع ريادية تخدم الاقتصاد الوطني. بهذا باتت الجامعة بيئة محفزة، لا تُخرّج العقول فحسب، بل تدفعها نحو الإبداع والريادة.
ومع كل ما تحقق، لم تكن الطريق خالية من التحديات. فقد واجهت الجامعة الأردنية ضغوطاً مالية وتزايداً في أعداد الطلبة، فضلاً عن متطلبات الاعتماد والجودة التي تفرضها المنافسة العالمية. غير أنها ظلت قادرة على التكيّف، تستند إلى إرثها العريق وسمعتها الراسخة، وتسعى دوماً إلى تطوير برامجها وخططها بما يتلاءم مع متغيرات العصر.
اليوم، والجامعة الأردنية تدخل عقدها السابع، تبدو الحاجة ملحّة لمزيد من الاستثمار في البحث العلمي التطبيقي، وبناء شراكات أوسع مع جامعات العالم ومراكزه البحثية، وتوظيف التقنيات الرقمية في التعليم والإدارة. كذلك، فإن تعزيز البيئة الجامعية وتحسين الخدمات الطلابية يمثلان أولوية لضمان بقاء الجامعة في موقعها الريادي، كمكان يليق بالطلبة الأردنيين والعرب والأجانب على حد سواء.
وفي هذا السياق، يستحضر الأردنيون ما قاله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين:
«إن الاستثمار في الإنسان الأردني هو أعظم استثمار، والتعليم هو السلاح الأنجع الذي نواجه به تحديات العصر ونصنع به مستقبل الوطن.»
هذه المقولة ليست مجرد كلمات، بل هي نهج وركيزة في مسيرة الدولة الأردنية، إذ وضعت التعليم في قلب مشروعها الوطني، باعتباره المفتاح الحقيقي للتنمية الشاملة والمستدامة.
فالجامعة الأردنية، منذ تأسيسها، جسّدت هذه الرؤية الملكية، فكانت مختبراً لصياغة العقول وبناء القيادات وإطلاق الطاقات، عبر توفير بيئة أكاديمية متقدمة تعنى بالعلم والمعرفة والإبداع، وتوازن بين الأصالة والمعاصرة. إن رسالتها لا تنحصر في منح الشهادات أو تخريج أفواج سنوية من الطلبة، بل تتعداها إلى إعداد إنسان أردني يمتلك أدوات التفكير النقدي، وروح المسؤولية الوطنية، والقدرة على الانفتاح على العالم، والمساهمة في حل المشكلات التي تواجه المجتمع والإنسانية.
لقد أثبتت الجامعة الأردنية أن التعليم العالي ليس ترفاً، بل هو ضرورة وجودية للأمة؛ فهو الذي يحصّن المجتمع في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، ويجعل الأردن قادراً على المنافسة في بيئة عالمية متسارعة. وبذلك تتجسد كلمات الملك في صورة جامعة راسخة تمثل عقل الوطن وقلبه النابض، وتهيئ أجيالاً من الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين والقادة الذين حملوا رسالة الأردن في كل مكان، وكانوا سفراءه الحقيقيين في العالم.
في ذكرى التأسيس، يحق لكل أردني أن يعتز بالجامعة الأردنية، فهي ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل ذاكرة وطنية وحاضنة للهوية الأردنية الحديثة. لقد أنجبت أجيالاً من القيادات والكفاءات، وفتحت أبواب الأمل أمام آلاف الأسر، ورسخت صورة الأردن كبلد يؤمن بأن العلم أساس النهضة.
ستون عاماً من العطاء، والجامعة الأردنية لا تزال ماضية في رسالتها: أن تبقى منارة علمية وفكرية، تخدم الوطن وتفتح أبوابها للعالم. وفي ظل قيادة هاشمية مؤمنة بالتعليم، وبيئة أردنية مشبعة بالقيم، فإن الجامعة الأردنية ستظل عنواناً مضيئاً في سماء الوطن، ومفخرة للأردنيين على مرّ الأجيال.