
الجامعة… حيث تتشكل بداياتنا الأولى
سهى الصبيحي
ليست الجامعة مبنى، بل بوابة قد تأخذ بيد من يدخلها إلى ما وراء حدود المستحيل، بوابة لا تفضي إلى قاعات الدروس فقط، بل إلى احتمالات أوسع من ذلك بكثير، لاسيما في عالم يبدو وكأنه أسرع مما نتخيل، وأكبر مما نظن.
في زوايا هذا الحرم الجامعي الذي أحب، لا تسكن الكتب والمراجع فقط، بل تتوارى فيها البدايات الأولى. تلك اللحظات التي تلهم ساكنيه، ودون قصد أحياناً، كما تكشف لهم أن الشهادة ليست الهدف، بل المسار الذي يرسمونه حرفاً حرفًا بأيديهم وأفكارهم.
ملهم أن ترى طلبة في عامهم الأول وهو يهيئون لمستقبلهم، أو يفكرون فيه على الأقل، دون أن ينتظروا من يخبرهم كيف يصلون إلى ما يريدون.
هؤلاء لا يعلقون أحلامهم على جدران الزمن، بل يحملونها في قلوبهم، يغذونها من تجاربهم اليومية، و يرعونها كطفل صغير. صحيح أنهم يسيرون بيننا، لكن أحلامهم تسافر في الأفق البعيد.
يتطوعون، لا لمجرد الانخراط، بل لأنهم يعرفون أن العالم الحقيقيّ لا يُدّرس في قاعة، بل يُعاش. يدرسون، ويتعلمون، ليس لأنهم مطالبون بذلك، بل لأنهم يتقنون فن اقتناص الفرص.
يخطئون؟ نعم.. يتعثرون أيضا. لكنهم يعرفون جيداً أن التعثر هو مجرد خطوة في مسيرة النجاح ودرس لابد من تعلمه في هذه الحياة.
فطريق النجاح لا يسير عبر خط مستقيم، بل بالانعطاف عن المألوف، وبطرح الأسئلة الصعبة على الآخرين والذات، فهنيئاً لمن لا يكتفون بما قاله الآخرون، بل يبحثون عن ما لم يقل بعد.
الاستماع يا أعزائي الطلبة، لا الكلام، هو المفتاح الأول للفهم. وأن تُنصت لآراء وأفكار من حولك دون أن تتخلى عن ذاتك، وأن تتحاور، لا لتُقنع، بل لتتعلم. وأن تتواضع، لأن التواضع لا ينقص منك شيء، بل يزيدك ثباتاً ومقدارا.
الجامعة ليست مرحلة دراسية فحسب، بل مرآة تكشف ما تحمله بداخلك؛ ما تحب، ما ترفض، ما يليق بك وما لا يشبهك. وحين تتأمل هذه المرآة يوماً بعد يوم، تبدأ في بناء شخصيتك المستقلة، لا إعادة نسخ غيرك، في هذا العالم المأهول بالمتشابهات.
فالعلم وحده لايصنع الفارق، ولا تفتح الشهادة الأبواب المغلقة، بل ما يفتح الأبواب هي الشرارة أو الشعلة كما أشار إليها أحد الأساتذة الكبار، الساكنة في قلب كل واحد فينا، تلك التي تدفعه لكي يجرب، ويغامر.
كن على يقين، أنت من تصنع نفسك ومستقبلك. فأفضل ما يمكنك منحه لنفسك في هذه المرحلة هو أن تستيقظ كل صباح ولديك الشغف لاكتشاف الممكن أكثر من التفكير في إنجاز المطلوب.
وابني لنفسك هوية، حين تقرر أن تكون أنت، لا كما يريدك الآخرون، بل كما تحب أن تكون.