
فادية العتيبيّ- استكمالًا لمسيرة عطاءٍ امتدّت لأكثر من أربعة عقود، ووفاءً وعرفانًا لاسمٍ ارتبط بوجدانها النّقدي، صدر العدد (101) من المجلّة الثّقافيّة لعام 2025؛ ذلك العدد الذي كُتب بالحبر والحنين معًا لرئيس تحريرها الرّاحل الدّكتور محمّد شاهين، الذي وافته المنيّة في حزيران الماضي بعد مسيرةٍ حافلةٍ تركت أثرًا عميقًا في الوعي النّقديّ العربيّ.
كاتبٌ، ومفكّرٌ، وعالِمٌ جليل؛ صفاتٌ اجتمعت في شاهين – رحمه الله – الذي آمن بأنّ الثّقافة ليست ترفًا، بل مسؤولية، وأنّ سؤال الهُويّة ليس ترديدًا لمقولاتٍ جاهزة، بل بحثٌ دائمٌ عن معنى الوجود في عالمٍ متغيّر. فجاء هذا العدد وثيقةَ تقديرٍ وامتنان، تستحضر مشروعه وتجدّد حضوره.
وحمل الإصدار الجديد عنوان "مدارات الهُويّة في العالم العربيّ"، وهو العنوان الذي افتَتح به الرّاحل أحد أبرز مشاريعه الفكريّة، مستندًا إلى مقارباتٍ معمّقةٍ لمفهوم الهُويّة عند ابن خلدون، وموسّعًا دائرة النّقاش لتشمل أبعادًا ثقافيّةً وسياسيّةً وفكريّة تتقاطع في مُساءلة الذات العربيّة وتحوّلاتها.
ويأتي صدور هذا العدد تأكيدًا لاستمراريّة المسار الفكريّ الذي أرساه شاهين، وترسيخًا للرؤية التي جعلت من قضايا الهُويّة والحداثة وما بعدها محورًا دائمًا للحوار. ففي لحظةِ الغياب، يُعلِن العدد أنّ الفكرة حين تُؤسَّس على أساسٍ راسخ لا تنقطع برحيل صاحبها، بل تَتجدّد وتزداد رسوخًا.
ولم يكن صدور العدد مجرّد رقم جديد في سلسلة أعداد المجلّة العريقة، بل شكّل علامةً فارقةً بين مرحلتين: مرحلة التّأسيس والتّرسيخ التي قادها محمد شاهين، ومرحلة الاستمرار والوفاء التي تنطلق من إرثه لمواصلة الطّريق. ففيه رسالةٌ واضحة مفادها أنّ الغياب لا يُنهي الأثر، وأنّ المشاريع الفكريّة الحقيقيّة لا تتوقّف برحيل أصحابها، بل تُستعاد وتُجدَّد كلما قُرئت كلمةٌ كُتبت بصدقٍ وإيمان.
وفي تنويهٍ صدر في مستهَلّ العدد، أكّدت هيئة التّحرير – التي تضمّ الأستاذ الدّكتور ضياء الدّين عرفة، والأستاذ الدّكتور محمود الجرن، والأستاذ الدّكتور جهاد العامري – أنّ هذا الإصدار يأتي تكريمًا لذكرى شاهين، وامتدادًا لإرثه النّقديّ، وإسهامًا في تخليد أثره الثّقافيّ والإنسانيّ، في وقتٍ يفتقد فيه المشهد الثّقافيّ العربيّ صوتًا نقديًّا اتّسم بالجرأة والعمق والاتّساق.
وقد شمل العددُ أبوابًا متنوّعة، أبرزها مقالاتٌ تحت عناوين مثل "في حضرة الغياب/ في غياب محمد شاهين"، ضمّت شهاداتٍ ومقالاتٍ استحضرت مناقب الرّاحل وأثره العلميّ والنّقديّ، كتبها عدد من الأكاديميّين والمؤرّخين والمفكّرين، منهم: الأستاذ الدّكتور محمد عدنان البخيت، والأستاذ الدّكتور علي محافظة، والأستاذ الدّكتور إبراهيم السّعافين، وكارل صبّاغ، والأستاذ الدّكتور عاصم الشّهابي، وغيرهم.
ولم يكن هذا الاستذكار مجرّد رثاء عاطفيّ، بل قراءة واعية لمشروعه، واستعادة لأطروحاته، ووقوفًا عند إسهاماته في بلورة خطابٍ نقديٍّ تعامل مع الحداثة بوصفها سؤالًا مفتوحًا لا موقفًا أيديولوجيًّا مغلقًا. وكأنّ العدد يعيد تثبيت البوصلة التي رسمها شاهين؛ بوصلةٍ تنحاز إلى الفكر الحرّ، وتبقي سؤال الهُويّة العربيّة حيًّا في فضاءٍ تتزاحم فيه التّحوّلات، دون أن تفقد المجلّة اتّزانها المعرفيّ أو رسالتها الثّقافيّة.
ورغم رحيل شاهين، بدا العدد الجديد متماسكًا وواضح الرّؤية، وفي وفاءٍ تامّ لخَطّه الفكريّ؛ إذ ضمّ ملفاتٍ ودراساتٍ ومراجعاتٍ وحواراتٍ كتبها عدد من الكتّاب والمفكّرين، من بينهم الدّكتور صالح أبو أصبع، والأديب صبحي حديدي، والكاتب محمد شعير، والدّكتور المهدي الرّواضية وغيرهم؛ في موضوعات شملت الهُويّة، والثّقافة العربيّة، والحداثة، والنّقد المعاصر. وهو ما يعكس تنوّع الاهتمامات الفكريّة التي ارتبطت بالمجلّة منذ تأسيسها، ويؤكّد أنّ المسيرة التي بدأها شاهين لم تتوقّف برحيله، بل تحوّل غيابه إلى دافعٍ أقوى للتّمسّك بالنّهج الذي رسمه، والاستمرار في حمل رسالة المجلّة عبر العقود.