زايد الزيود – على مدى أكثر من أربعة عقود حافظ مركز الدراسات الإستراتيجيّة في الجامعة الأردنيّة على موقعه باعتباره واحدًا من أبرز بيوت الخبرة البحثيّة في الأردنّ والمنطقة.
بدأ المركَز عام 1984 بوصفه وَحدة أكاديميّة داخل الجامعة ثم تطور تدريجيًّا إلى مركز تحليل سياسات متعدد الأدوات يتعامل مع التحولات السياسيّة والاجتماعيّة والإقليميّة.
ومع تعقّد البيئة المحلّيّة والإقليميّة واتساع القضايا التي تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والمجتمع، توسع نطاق عمل المركز نحو مِساحات تشمل الشؤون الدَّوليّة والدراسات الإقليميّة والسياسات العامة واتجاهات الرأي العام والدراسات الاجتماعية والاقتصادية.
إذ يعمل المركَز ضمن منظومة تجمع البحث العلميّ وأوراق السياسات وتقدير الموقف والكتب والاستطلاعات والمسوح، إلى جانب الندوات والحوارات المتخصصة.
هذه البنية وضعت المركز في نقطة تقاطع بين المعرفة الأكاديميّة ومتطلبات القراءة الإستراتيجيّة في المجال العام الأردنيّ.
وتظهر الهُوية المؤسّسيّة للمركز أيضًا في حجم إنتاجه التراكمي، إذ تشير المؤشرات إلى أكثر من 250 استطلاعًا، وما يزيد على 50 دراسة، وأكثر من 100 إصدار. أهمية هذه الأرقام لا تكمن في بعدها الكمّيّ فقط، بل في ما تعكسه من عمل مؤسسي قائم على التراكم والاستمراريّة، من حيث قياسٌ منتظم وبحث ممتدّ ونشر متواصل.
ويظل ملف استطلاعات الرأي العام من أكثر مكونات عمل المركز حضورًا في المجال العام الأردنيّ. فعلى مدى سنوات، أسهم المركز في بناء قاعدة بيانات حول اتجاهات المجتمع الأردنيّ في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومستويات الثقة بالمؤسّسات والأولويّات الوطنيّة.
ويمتدّ هذا الدور إلى الشراكات البحثيّة الإقليميّة والدَّوليّة إذ يعمل المركز شريكًا وطنيًّا في تنفيذ عدد من المسوح المقارنة من بينها مشاريع "الباروميتر العربيّ" وهي مسوح تستخدم في تحليل اتجاهات الديمقراطية والثقة بالمؤسسات والاقتصاد والحريات وقضايا المرأة والبيئة. كما يحضر المركز ضمن شبكات مراكز التفكير الإقليميّة والدَّوليّة، الأمر الذي يعزز تبادل الخبرات ويوسع مساهمته في النقاشات المتعلقة بالقضايا الإقليميّة والتحولات الدَّوليّة.
وتكشف المشاريع البحثيّة التي ينفذها المركز عن اتساع الحقول التي يغطيها، وخاصّةً في الملفات التي تمس الحياة اليوميّة وصناعة السياسات.
إذ تشمل هذه المشاريع موضوعات ترتبط بجَودة الحياة وتكافؤ الفرص والحماية الاجتماعية والصحة العامة، إلى جانب دراسات تتناول حالة الديمقراطية والتماسك الاجتماعي. ويظهر هذا التوجه أيضًا في المسوح الصحية المتخصّصة، مثل المسح العالمي للتدخين بين البالغين في الأردنّ.
وفي موازاة العمل الميداني، يحافظ المركز على حضور منتظم في إنتاج الدراسات وأوراق السياسات وتقديرات الموقف، إلى جانب تقارير إستراتيجيّة تضع الأردنيّ في سياقه الإقليميّ والدَّوليّ.
وتتوزع هذه المنظومة بين كتب ودراسات معمّقة موجّهة إلى النقاش السياسي وصانع القرار، وتقدير موقف بوصفه أداة تحليليّة تربط الحدث بسياقه. ويتيح قسم الآراء والمقالات مِساحة لحضور صوت الباحث الفردي ومواكبة النقاش العام. ويظهر البُعد التطبيقيّ كذلك في المشاريع البحثيّة والبرامج المتخصصة التي ينفذها المركز، إلى جانب مبادرات معرفيّة مثل" كرسي الملك الحسين" الذي يعكس اهتمامًا بتوثيق التجرِبة السياسية والتنمويّة للأردنّ، بينما يعبر قسم تحليل الاتجاهات عن توجّه استشرافيّ يركّز على قراءة التحوّلات طويلة المدى.
وفي البعد الأكاديميّ والتدريبيّ يقدم المركز برامج متخصصة لبناء القدرات البحثية والمِهْنيّة من أبرزها دبلوم دراسات اللاجئين والهجرة القسرية بما يعكس توجّهًا لتحويل المعرفة البحثيّة إلى تدريب عمليّ يساند العاملين والمهتمين بهذا الملف داخل الأردنّ والمنطقة.
وعلى مستوى الحضور الفكري العربي، رسخ المركز مكانته بوصفه إحدى المؤسّسات الفكريّة الأولى في المنطقة، عبر مسار تراكميّ جمع بين البحث التحليليّ والاستطلاعات الميدانيّة والإنتاج المعرفيّ.
أمّا على صعيد الاعتراف الدَّولي، فقد حقق المركز حضورًا متقدمًا في تقارير تصنيف مراكز التفكير العالميّة، إذ تصدر لعدة سنوات قائمة المراكز المتميزة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضمن مؤشر Global Go To Think Tank Index، كما ورد ضمن قوائم متقدمة عالميًّا في مجالات السياسة الخارجيّة والأمن، واحتلّ مراتب متقدمة في التصنيف العام لمراكز التفكير خارج الولايات المتحدة. وتعكس هذه النتائج مكانة مؤسّسة بحثيّة جمعت بين الإنتاج المعرفيّ والحضور في النقاش السياسيّ، وربطت بين العمل الأكاديميّ ومتطلبات صناعة القرار.
وبحسب النتائج المتداولة في هذا السياق، حاز المركز المقام الأوّل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضمن فئة المراكز المتميزة لعدة سنوات متتالية، كما جاء ضمن قائمة أفضل مراكز السياسة الخارجيّة والعلاقات الدَّوليّة عالميًّا، واحتلّ المرتبة 37 عالميًّا في هذا المجال. وحصل أيضًا على مرتبة متقدمة ضمن التصنيف العام لمراكز الفكر خارج الولايات المتحدة، إذ جاء في المركز 130 عالميًّا بين أكثر من 7500 مركز بحثيّ. وفي تصنيف آخر، أظهر المركز تقدّمًا في مجال دراسات الأمن والدفاع مقارنةً بسنوات سابقة.
وفي سياق توثيق نشاطه خلال العام، أصدر المركز تقريره الإستراتيجيّ السنويّ في شباط 2026 بعنوان "آراء حول الأردنّ والإقليم"، مقدِّمًا قراءة معمّقة لمجمل تطورات عام 2025 وانعكاساتها على الأردنّ في أبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. ويأتي التقرير ضمن نهج المركز في إنتاج معرفة تحليليّة تخدُم النقاش العام وتدعم التفكير السياسيّ، إذ يعتمد مقاربة تقوم على استشراف السيناريوهات وتقدير المخاطر، قبل أن ينتهي إلى توصيات عمليّة قابلة للتنفيذ. كما يتناول التقرير ملفات إقليميّة ومحلية متداخلة من بينها الصراع الفِلَسطينيّ الإسرائيليّ والتحولات في الإسلام السياسيّ ومسار التحديث والنفوذ الإيرانيّ، والعلاقات مع العراق واتجاهات السياسة الخارجية الأردنيّة نحو آسيا.
ولا يتوقف أثر المركز عند إصدار الدراسات وتنفيذ المسوح بل يمتدّ إلى حضوره الفاعل في النقاش العام بوصفه مرجعًا بحثيًّا تُستعاد نتائجه عند قراءة التحولات الداخليّة والإقليميّة. إذ يقدم المركز نموذجًا لدور الجامعة خارج حدودها من خلال معرفةٍ قابلة للاستخدام، وبياناتٍ تفهم المِزاج العام، وتحليلٍ يربِط الحدثَ بسياقه.