فادية العتيبيّ – كما الرّكن الهادئ الّذي يتذوّق فيه المَرء طعم الرّاحة بعيدًا عن نُهُرٍ مُزدحَمة بالدّراسة والعمل.. كما الأغنيَة القديمة الّتي يُستعاد بريقها كلّما عزفت أنغامها في الذّاكرة.. كما الملاذ الدّافِئ الّذي يتشارَك فيه روّاده لُقمة الصّداقة ويصنعون مِن وجباته قصصًا لا يبهت لونها… هكذا يبدو مطعم الجامعة الأردنيّة؛ ذاك البيت الصّغير القابع على امتداد شارع السّرو، يحتضن الجَوْعى والفَرْحى معًا، ويَفوح منه عَبق الحياة الجامعيّة المَمزوجة برائحة الخبز السّاخن وبهجة اللّقاءات وضجيج الحَكايا ومذاق البَساطة.
بين طاولاته، وأصوات أدواته، وأطباقه المَعدنيّة تَنسج الجامعة الأردنيّة فصلًا جديدًا مِن قصص دفئها الإنسانيّ لطلبتها، حيث تلتقي أطيَب الوجبات اليوميّة بأمتع الذّكريات الّتي لا تُنسى؛ لتَخطّ فصول من الصّداقة، مشكّلة ملامح لأحلام صغيرة تكبُر معَ أصحابها.
ورغم انتشار المَطاعِم والكافتيريات الحَديثة داخل الحرم الجامعيّ وخارجه، حافَظ المَطعم على مكانتِه المُتفرّدة، وصمد أمام مُنافَسة شَرِسَة لا تهدَأ بفضلِ تنوّع وجباته الصّحّيّة وأسعاره الميسّرة. استحَقَ أن يبقى في الصّدارَة، مُروّجًا لروحِه القَديمَة، ولاسمه ولخدماته مُثبتًا للجَميع أنّه سيظلّ حتّى إشعار آخر الخيار الأمثَل لمتذوّقي الأكل الشّرقيّ المُعتّق بنكهة لا تشبه إلّا ماضي الجامِعَة وحاضرها.
وظلّ المطعم بطلًا في كلّ رواية تُحكى عن الجامِعَة وتاريخها، يمنَح المكان عبقًا خاصًّا، كحارس أمين للذّاكرة يُلَمْلِم بَقايا ما تناثَر من أحاديث وضحكات في لوحة من الزّمن قد تتبدّل فيها الوجوه لكن تبقى الأرواح معلّقة بتفاصيلها.
هو باختصار دفتر مَفتوح، تُقلّب صفحاته؛ لتقرأ حكايا كثيرة مُثيرة نُسجَت في كلّ ركن مِن أركانه، ونُقشَت على الطّاولات والمقاعد، تَحمل آثار فنجان قهوة، أو بقايا وجبة امتزجَت بابتسامةٍ مُرتجَلَة، أو حِوار مُحتدِم دار حول امتحان صعب أو أستاذ حازِم أو مُستقبَل ينتظر خلف أبواب التّخرّج.
لكن يبقى السّؤال: ماذا يَعني مطعم الجامعة الأردنيّة لجيل اليوم؟ وكيف يُقيّمون مَكان مرّ منه أجيال الأمس بعد أن غادَروه بأجسادِهم، تاركين من ورائهم صدى ضحكاتهم المُعلّقة على جُدرانه، ودفء أحاديثهم يتناثَر بين نسمات هوائه، وكأنّ الزّمن لَمْ يمرّ عليه خَوْفًا مِن أَن يَشيخ بذاكرتِه.
عدد مِن طلبة الجامعة عبّروا لـ " أخبار الجامعة الأردنيّة" عَن علاقتِهم بهذا المَطعم، وعن اللّحظات الّتي صِيغَت منها بعضًا مِن ملامِح يومهم ما بين وجبة لذيذة، وحديث عابر، وحضور استثنائيّ لا يشبه غيره.
وأوضحَ الطّالِب في كلّيّة الأعمال أحمد الزّعبيّ أنّه منذ التحاقه بالجامعة الأردنيّة يواظِبُ على الذّهاب إلى مطعم الجامعة؛ لتناوُل طعام الغداء مع زملائه في الكلّيّة ناهيك عن أنّ وقت الطّعام يعدّ فرصة ذهبيّة بالنّسبة له لتبادُل أطراف الأحاديث والضّحكات فيما بينهم حتّى يَحين مَوعِد المُحاضَرة المُقبِلة، لافتًا إلى أنّه مكان جيّد للتّعرّف على أُناس جُدُد، ولتّكوين صداقات مع موظّفين ومُرتادين مِن الطّلبة.
في حين كَشفَت الطّالِبة في كلّيّة الصّيدلَة جود فتح الله عن حبّها الكبير لهذا المكان الّذي يشكّل بالنّسبة لها إرث تاريخيّ يتناقَل عبر تعاقُب الأزمان، وكم تَشعر بالرّاحة حين تَطَأ أقدامها عتبة بابه وقالت: إنّه يَحمِل جزءًا مِن ذاكرة الجامعة، وفيه كثيرًا من القصص والحَكايا الّتي نُقشَت في مختلَف أركانه وعلى طاولاته، مؤكّدة أنّه جزء مِن مَكان يصعب التّغافُل عنه أو عدم زيارته.
أمّا الطّالبة في كلّيّة الآثار والسّياحة روان محمّد قالت: " إنّ مطعم الجامعة بالنّسبة لي هو المَكان المُناسب الّذي ألجَأ إليه بين المُحاضرات، ففيه أشعر براحةٍ وبهدوء لا تشبه أيّ مكان آخر، وكأنّ الزّمن يتوقّف عند ذهابي إليه وتناوُل طعامي الّذي يُمكن اختياره ضمن قائمة مِن الأطعمة، لأستعيد بتناولِه بعضًا مِن طاقتي وأكمل بهمّة برنامج يومي الحافِل من جديد".
مِن جانبه أشارَ الطّالِب في كلّيّة العُلوم التّربويّة حسين عابدين إلى أنّه لا يتردّد على مطعم الجامعة قبل أن يطّلع على قائِمة الأطعمة اليَوميّة (المنيو) الّتي يُعلن عنها المَطعم يوميًّا على صفحته، والتّأكّد أن وجبة المنسف مِن ضمن قائمة الأطعمة في ذلك اليوم، مُنوِّهًا إلى أنّه لم يتوقّع يومًا أن تُعدّ بتلك الطّريقة اللّذيذة وبذاك السّعر المَقبول جدًا بالنّسبة للطّالب.
أمّا الطّالِب الصّينيّ تشينغ الّذي يدرس اللّغة العربيّة في مركز اللّغات أبدى سعادته بارتياده يوميًّا مطعم الجامعة، وتفضيله عن باقي المطاعم الأخرى، حبًّا في الاستمتاع بأطباقِه الشّرقيّة الّتي تعكس موروث وحضارة الشّعب الأردنيّ مِن جهة، ولرمزيّة أسعاره الّتي هي في مُتناول اليَد من جهة أخرى.
إلى ذلك؛ عبّرت الطّالبة في كلّيّة الآداب سجى الخوالدة وهي واحدة مِن الطّالبات اللّاتي يقطن في سكن قريب مِن الجامعة، عن ارتياحها في ارتياد المَطعم على مدار أيّام الأسبوع، وتناوُل الوجبات المُتنوّعة الّتي يقدّمها وذلك لتفضيلها تناوُل الطّعام الأقرَب في صنعِه لطعام والدتها الّتي تعود إليها مع نهاية كلّ أسبوع إلى محافظة المفرق حيث مسقط رأسها، في ظلّ عدم معرفتها فنون الطّهي، بالإضافَة إلى أنّ إمكانيّاتها المادية لا تسعفها لإعداده داخل سكنها.
أمّا بالنّسبة للطّالب في كلّيّة الهندسة سند دعاس فقال إنّه في إحدى السّنوات السّابقة وهو في مرحلة الدّراسة الثّانويّة جاء في زيارةٍ إلى الجامعة الأردنيّة رفقة أخيه الأكبر الّذي سبقه في تخصّص الهَندسة وقد ارتَأى أخيه يومها أن يذهب به إلى مطعم الجامعة، وزاد: "جئت معَ أخي حينها وتناولنا عددًا مِن الأصناف في المطعم، وقد أعجبتني أجواء المكان الّذي يضجّ بحركةِ الطّلبة، وبأصواتِهم، كما أعجبتني أطباقه، وأسعارها المعقولة وهي أهمّ شيء بالنّسبة لي كطالب، ومنذ التحاقي بالجامعة للدّراسة وأنا اتّخذه المُنقِذ الحقيقيّ لي وقت شعوري بالجوع" لافتًا إلى أنّ أخيه الأكبر وفي بعض الأيّام يأتي لزيارته في الجامعة ويشتاق إلى زيارة المَطعم وقضاء بعضًا من الوقت فيه وتذكّر بعضًا مِن الذّكريات الّتي عاشها في الماضي.
ذاكَ هو مطعم الجامعة الأردنيّة.... زاوية في القلب لن تُغلق أبدًا؛ واستراحة مُحارِب يلتقي فيها الجوع والحنين إلى الذّكرى، كما يلتقي العَطش وذاك الضّجيج الّذي ما عادَ بعد فراق ومغادرة الأصدقاء والأحبّة.