مصطفى المومني- يُشكّل مستشفى الجامعة الأردنيّة اليوم واحدًا من أهم وأكبر الصروح الطبيّة الأكاديميّة في الأردن، ومؤسّسة وطنيّة متكاملة تجمع بين الرعاية العلاجيّة المتقدّمة والتّعليم الطبي العالي والبحث العلمي والتّطوير المستمرّ، ضمنَ نموذج المستشفى الجامعيّ الذي يخدمُ المجتمع ويصنعُ الخبرات في آنٍ واحد، وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، ترسَّخت مكانة المستشفى كمرجعٍ طبيّ وطنيّ وإقليمي، يقصده المرضى من مختلف محافظات المملكة ومن خارجها، لما يُوفّره من تخصّصاتٍ دقيقة وإمكانات تقنيّة وكوادر أكاديميّة عالية المستوى.
بدأت مسيرة هذا الصرح في سياق رؤية وطنيّة مبكّرة لتحديث القطاع الصحي، حين صدرت الإرادة الملكيّة السامية في الأوّل من كانون الثّاني عام 1971 بإنشاء مستشفى عمّان الكبير، استجابةً لحاجة المملكة إلى مؤسّسة صحيّة متقدّمة قادرة على استيعاب النموّ السكانيّ وتوسّع الخدمات، وفي عام 1973 تمَّ افتتاح المستشفى رسميًّا، ليباشر تقديم خدماته العلاجيّة وفقَ أحدث ما كان متاحًا آنذاك من معايير وتجهيزات، إلا إنَّ التحوّل الجوهريّ في مسيرته جاء عام 1975، عندما صدر القرار الوطني بضمِّ المستشفى إلى الجامعة الأردنيّة، ليتحوّل إلى أوَّل مستشفى جامعي في المملكة، ويتغيّرُ اسمه إلى مستشفى الجامعة الأردنيّة، ليبدأ عهدًا جديدًا من التكامل بين التعليم الأكاديمي والممارسة السريريّة.
ومنذُ ذلك التاريخ بات المستشفى ركيزة أساسيّة في تخريج أجيالٍ من الأطبّاء والأخصائيّين والممرّضين والصيادلة والعاملين في المهن الصحيّة، حيثُ يُشكّل الميدان التدريبيّ الرئيس لطلبة كليّات الطبّ وطبّ الأسنان والتمريض والصيدلة وعلوم التأهيل في الجامعة الأردنيّة، ويعملُ فيه أعضاء هيئة تدريس يشغلونَ مواقع أكاديميّة مرموقة، ما يعزّز الربط بين البحث العلمي والممارسة العلاجيّة، ويُسهم في إدخال أحدث البروتوكولات العلاجيّة المبنيّة على الأدلّة العلميّة.
شهدَ المستشفى على مدى العقود الماضية مراحل متتالية من التوسعة والتحديث، سواءً على مستوى الأبنية أو التجهيزات أو استحداث الأقسام التخصّصيّة الدقيقة، وتبلغ الطاقة الاستيعابيّة للمستشفى اليوم نحوَ (594) سريرًا، موزّعة على الأقسام الباطنيّة والجّراحية والتخصّصيّة المختلفة، إضافةً إلى أسِرّة العناية الحثيثة ووحدات العناية المتوسطة، كما يضمّ مبنى متكاملًا للحوادث والطوارئ بسعة (46) سريرًا و(5) أسِرّة عناية مركّزة، ومبنى للنسائية والتوليد وحديثي الولادة بسعة تقارب (112) سريرًا، ما يعكس حجم الخدمات المقدّمة في هذا القطاع الحيوي.
ويضمّ المستشفى أكثر من 25 دائرةً وقسمًا طبيًّا وإداريًّا رئيسًا، تتفرّعُ منها تخصّصات دقيقة تُغطي طيفًا واسعًا من الاحتياجات الصحيّة، ففي الأمراض الباطنية وحدها توجد تخصّصات فرعية متعدّدة تشمل أمراض القلب والشرايين، وأمراض الكلى، وأمراض الجهاز الهضمي والكبد، والأمراض الصدرية، والغدد الصّمّاء والسّكري، وأمراض الدم والأورام، والأمراض الروماتيزمية، والأمراض المعدية.
أما في القطاع الجراحي فتتنوّع التخصّصات بين الجراحة العامة، وجراحة القلب والصدر، وجراحة الأوعية الدموية، وجراحة الأعصاب، وجراحة العظام والمفاصل، وجراحة المسالك البولية، وجراحة الأنف والأذن والحنجرة، وجراحة التجميل والترميم، وجراحة الأطفال، وجراحة الأورام.
ويعمل في المستشفى (3703) موظّفًا بين أطبّاء وممرّضين وإداريّين وفنيّين وكوادر مساندة، ويضمّ الكادر الطبي (233) طبيبًا استشاريًّا من أعضاء هيئة التدريس، إضافةً إلى (497) طبيبًا مُقيمًا في برامج الاختصاص المختلفة، و(637) طبيبَ امتياز وامتياز أسنان يتلقّون تدريبهم السريري، أما الكادر التمريضيّ (1032) ممرّضًا وممرّضة قانونيّين ومساعدين ، إلى جانب (396) إداريًّا و(409) موظّفين في الخدمات المساندة والفندقيّة، يعملون جميعًا ضمنَ منظومة مُتكاملة تضمن استمرارية الخدمة على مدار السّاعة.
ويُشرف على إدارة المستشفى مجلس إدارة يتألف من 12 عضوًا، برئاسة رئيس الجامعة الأردنيّة، وعضوية مدير عام المستشفى، وأمين عام وزارة الصحّة، ومدير عام الخدمات الطبيّة الملكيّة وعمداء كليّات القطاع الصحي في الجامعة، إلى جانب أعضاء من ذوي الخبرة والاختصاص، ما يضمن حوكمة مؤسّسيّة تربط بين القرار الأكاديمي والإداري والبعد الوطني للخدمة الصحيّة.
ويستقبلُ المستشفى سنويًّا ما يزيد على نصف مليون مراجع في العيادات الخارجيّة وأقسام الطوارئ والخدمات التشخيصيّة المختلفة، إضافةً إلى آلاف حالات الإدخال إلى الأقسام الداخليّة، ويؤدي قسم الطوارئ دورًا محوريًّا في التعامل مع الحالات الحرِجة وحوادث السير والإصابات المختلفة، حيثُ يعمل على مدار 24 ساعة ويضمّ أسِرّة مُخصّصة للإنعاش والعناية المركّزة، مدعومًا بكوادر طبيّة وتمريضيّة مؤهّلة للتعامل مع الحالات الطارئة عالية الخطورة.
وفي مجال النسائية والتوليد، يقدّم المستشفى خدمات شاملة تشمل متابعة الحمل عالي الخطورة، وجراحات الأورام النسائية، والخصوبة المساعدة، وطبّ الأم والجنين، إضافةً إلى خدمات الولادة الطبيعيّة والقيصريّة، والعناية بحديثي الولادة عبر وحدة عناية مركّزة متخصّصة، كما يضمّ قسمًا للطبّ النفسي يستقبل حالات الإدخال للحالات النفسيّة الحادة، ويُوفّر خدمات التشخيص والعلاج والمتابعة بإشراف أخصائيّين مؤهّلين.
أمّا على مستوى العمليات الجراحية، فيضمّ المستشفى (25) غرفة عمليّات مُجهّزة بأحدث أنظمة التخدير والمراقبة الرقميّة وأنظمة مكافحة العدوى، تُجرى فيها آلاف العمليات سنويًّا، من بينها جراحات القلب المفتوح، وجراحات الدماغ والأعصاب الدقيقة، وزراعة نخاع العظم، واستبدال المفاصل، وجراحات العمود الفقري، وجراحات الأورام المعقّدة، إضافةً إلى عمليات تفتيت الحصى وزراعة القوقعة وغيرها من الإجراءات المتقدّمة.
ويتميّز المستشفى باحتوائه على أجهزة طبيّة متطوّرة تعدّ من الأحدث في المنطقة، من أبرزها جهاز الجاما نايف المُخصّص لعلاج أورام الدماغ والتشوّهات الوعائية باستخدام أشعة مركّزة عالية الدقّة دون الحاجة إلى جراحة مفتوحة، إضافةً إلى أجهزة التّصوير الطبقي المحوري، والرّنين المغناطيسي، والتّصوير النووي، والأشعة الرقميّة، والأشعة التداخلية، ويضمّ قسم الأشعة عدّة أجهزة مُوزّعة بين التّصوير الطبقي، والرّنين المغناطيسي، والأشعة السينية الرقميّة، والأمواج فوق الصوتية، والتّصوير النووي، بما يضمن تغطية تشخيصيّة شاملة.
ويحتوي المستشفى على مستودعات أدوية مركزيّة مُجهّزة بأنظمة تخزين حديثة تراعي درجات الحرارة والرطوبة وفق المعايير العالميّة، مع آليات رقابة إلكترونية على المخزون تضمن توفّر الأدوية لفترات زمنية مدروسة وتمنع الانقطاع، إضافةً إلى نظام صرف دوائي إلكتروني يعزّز سلامة المرضى.
كما يضمّ المستشفى مختبرًا مُتخصّصًا للنوم يُعنى بتشخيص اضطرابات النوم مثل انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم واضطرابات الحركة خلال النوم، من خلال مختبرات مُجهّزة بأجهزة مراقبة متعدّدة الوظائف تُسجّل النشاط الدماغي والتنفس ونبض القلب أثناء النوم، ويُشرف عليها فريق طبيّ متخصّص في الأمراض الصدرية وطبّ الأعصاب.
وفي إطار البنية التحتيّة الداعمة، تتوافر مواقف سيارات متعدّدة تخدمُ المرضى والمراجعين والموظّفين، بطاقة استيعابية كبيرة، ونظرًا للزيادة الملحوظة في أعداد المركبات هناك خُطّط لبناء مواقف جديدة.
وعلى صعيد الجودة والاعتماد، حصل المستشفى للمرّة الخامسة على التوالي على شهادة الاعتماد الدوليJCI) ) دون ملاحظات، في إنجازٍ يعكس الالتزام الصارم بمعايير السلامة والجودة، كما حصد جوائز وطنيّة في التميّز المؤسّسي والأداء الحكومي.
إنَّ الصورة الكُليّة التي يعكسها مستشفى الجامعة الأردنيّة اليوم هي صورة مؤسّسة وطنيّة متجذّرة في تاريخ الدولة الأردنيّة الحديث، نشأت بقرار سياديّ عام 1971، وتطوّرت عبر عقود من العمل المتواصل لتصبح مركزًا طبيًّا أكاديميًّا مرموقًا، يجمع بين الخدمة الإنسانية والعلم والبحث والتدريب، ويواصل أداء رسالته بثبات في خدمة المواطن، وتعزيز مكانة الأردن كمقصد طبيّ إقليميّ قائم على الكفاءة والمعرفة والالتزام بالجودة.