سهى الصّبيحي - في حرم الجامعة الأردنيّة، وحين تسير في الشّارع الممتدّ أمام كلّيّة الأمير حسين بن عبدالله الثّاني للدّراسات الدّوليّة لا تملك إلّا أن تتأمّل ذلك المبنى الشّامخ على الجهة المقابلة ببنيته التّشكيليّة المختلفة بما تحمله من تفاصيل عمرانيّة متفرّدة مِن فنون العمارة العربيّة والإسلاميّة.
عند مدخله الرّئيسيّ تستقبلك جماليّة الأقواس الزّجاجيّة، والآياتُ القرآنيّة المُدوَّنة بالخطّ الكوفيّ تُزيّن جدرانَه الخارجيّة، أمّا المَشربيّات الخشبيّة *التي* تتميّز بها واجهته الخلفيّة، والنّوافذُ المُقنطَرة ذات الأقواس المُدبّبة، ما هي إلّا دلالاتٌ على تفرّد وخصوصيّة المبنى دونًا عن كلّ مباني الجامعة، شكلًا ومضمونًا.
هذا المبنى الفريد هو "مركز الوثائق والمخطوطات ودراسات بلاد الشّام" تأسّست نَواته في 1972، ويُعدُّ واحدًا من أثرى وأهمّ مصادر البحث الأكاديميّ لاحتوائه على آلافٍ من الوثائق والمخطوطات والسّجلّات والخرائط والصّحف والرّوايات الشّفَهيّة والمطبوعات النّادرة.
ومنذ تأسيسه في أوائل السّبعينات من القرن الماضي، يشكّل مركز الوثائق والمخطوطات ودراسات بلاد الشّام في الجامعة الأردنيّة صرحًا علميًّا وثقافيًّا بارزًا، يجمع بين حماية التّراث العربيّ والإسلاميّ وتقديم بيئةٍ بحثيّة متكاملةٍ للدّارسين والباحثين المتخصّصين في تاريخ بلاد الشّام.
رؤيةٌ ورسالةٌ واضحة
ويسعى المركز من خلال رؤيته إلى توظيف أحدث التّقنيات لتقديم أفضل الخدمات البحثيّة، والحفاظ على الوثائق والمخطوطات النّادرة وَفق أعلى المعايير المحلّيّة والدّوليّة، مع تعزيز ثقافة صَون الموروث ونقله للأجيال القادمة.
أمّا رسالته فتتمثَّل في استدامة الموروث العربيّ الإسلاميّ وتنظيمه ونقله وَفق أحدث الأنظمة العالميّة، بما يضمن استفادةَ الباحثين وتوفير قاعدةٍ علميّةٍ موثوقةٍ للدّارسين.
الأهدافُ الرّئيسة
ويُركّز المركز على تعزيز جَودة وكفاءة العمليّات البحثيّة من خلال تطبيق أعلى معايير الجَودة، وبناء وتعزيز الشّراكات المحلّيّة والدّوليّة لدعم البحث العلميّ ودراسة تاريخ بلاد الشّام. كما يسعى المركز إلى خلقِ بيئةٍ محفِّزةٍ للباحثين لإعداد دراساتٍ متخصِّصة، وتأهيلِ كوادرَ بشريّةٍ متميّزة، وأتمتةِ موجوداته وَفق أعلى المعايير العالميّة.
ويُولي المركز اهتمامًا بعقد المؤتمرات والنّدوات العلميّة المتخصّصة في التّاريخ والتّراث، وتدريب الطّلبة على استخدام الوثائق والمخطوطات في مشاريعهم البحثيّة، بالإضافة إلى تطبيق برامج متخصّصة لحفظ وصيانة الوثائق والمخطوطات وفهرستها وَفق أفضل المواصفات المعتمَدة.
مقتنَياتُ المركز
ويضمُّ المركز مجموعاتٍ واسعةً ومتنوّعة من الوثائق تشمل سجلّات المحاكم الشّرعيّة، وسجلّات الأوقاف، والصّحُف، والتّقارير، والخرائط، والرّحلات، والصّور، والمذكِّرات، سواءٌ الورقيةُ منها أو الإلكترونيّة أو الصوتيّة والمرئيّة. ومن أبرز مقتنياته صور وثائق الحرم القدسيّ الشّريف، ووثائق القدّيسة كاترينا بِطورِ سَيناء، وسجلّات الطّابو والماليّة في المشرق العربيّ، ووثائقُ إسبانيّة وعثمانيّة، بالإضافة إلى وثائقَ أمريكيّة وبريطانيّة تتعلّق بفترة الانتداب على الأردنّ وفلسطين.
كما يحتوي على مخطوطاتٍ متنوّعةٍ في شتّى المجالات العلميّة، سواءٌ أكانت بخطّ اليد، أو كانت طبعاتٍ حجريّة، أو مصورةً على أشرطة مايكروفيلم أو ميكروفيش، أو فوتوستات، جُمعت عن طريق الشّراء أو المبادلة أو الإهداء من مكتباتٍ ومؤسّساتٍ محلّيّة ودوليّة مثل مكتبة تشستر بيتي، والمكتبة الموريتانية، ومكتبة باريس، ومركز إحياء التّراث الفلسطيني، ودير الفرنسيسكان، وكنيسة الرّوم الكاثوليك، بالإضافة إلى مخطوطاتٍ لعائلاتٍ أردنيّة وعربيّة مثل آل الحسينيّ وآل قمحاويّ وآل الصّماديّ.
أيضًا تُوفِّر سجلّات المحاكم الشّرعية والبلديّات في المركز تفاصيلَ الحياة اليوميّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والعمرانيّة، وتغطّي مدنًا أردنيّة وفلسطينيّة متعدّدة، لتصبح مصدرًا أساسيًّا للباحثين في دراسة التّطوّر الحضاريّ للمنطقة.
ويضمُّ المركز نُسَخًا من الصّحف الأردنيّة والعربيّة القديمة، إضافةً إلى خرائطَ تاريخيّةٍ للأردنّ وفلسطين ودول العالم، ويضمُّ مكتبةً غنيّةً بمراجعَ عربيّة وأجنبيّة تغطّي الحضارة العربيّة والإسلاميّة، مع أرشيفٍ لأوراقٍ ومصادرَ تخصُّ شخصيّاتٍ بارزةً منها مصطفى وهبي التّلّ، وميرزا باشا، وفايز الغول.
دراسات بلاد الشّام والفهارس
ومنذ سبعينات القرن الماضي تعمل لجنة الدّراسات في المركز على دراسة وتوثيق تاريخ بلاد الشّام، حيث أصدرت سلسلةً من الدّراسات والمؤتمرات الدّوليّة، آخرُها المؤتمر الدّولي الثّاني عشر عام 2024 بعنوان "الكتابة التّاريخيّة في بلاد الشّام في القرون الخمس الهجريّة الأولى".
كما أصدر المركز أربعة فهارس تفصيليّة للمخطوطات العربيّة المصوَّرة، صنِّفت حسب العنوان والمؤلّف وتاريخ الوفاة وعدد الأوراق ورقم الحفظ، لتكون مرجعًا موثوقًا للباحثين.
أجهزةٌ وتقنياتٌ متقدّمة
ويمتلك المركز حاليًّا أحدث الأجهزة لتسهيل عمليّات البحث والحفاظ على المقتنيات، أبرزها جهاز Zeuschel للمسح الضوئيّ الكامل للكتب مع إمكانيّة تعديل وضوح الصّوَر، وجهاز Scan Pro500 للمصغَّرات الفيلميّة وتحويلها إلى صيغ PDF أو JPG، بالإضافة إلى وحدات التّخزين الرّقميّة Synology لاسترجاع الموادّ المؤرشفة عند الحاجة، وأجهزة قراءة الميكروفيلم والميكروفيش، فضلًا عن أجهزة حاسوب حديثة تدعم الباحثين في تنفيذ أعمالهم البحثيّة بكفاءةٍ عالية.
مختبر صيانة الوثائق والمخطوطات
أمّا مختبر صيانة الوثائق والمخطوطات، فقد افتُتح في 2018 بدعمٍ من منظّمة الأوبك للتّنمية الدّوليّة، ويعدُّ إنجازًا حضاريًّا في صيانة المخطوطات وَفقًا للمعايير الدّوليّة، مع وجود أجهزةٍ متطوّرة مثل جهاز الأوزون لتعقيم المخطوطات، وجهاز تقطير المياه، وجهاز قياس الحموضة، والطّاولات المضيئة، إضافةً إلى قسم التّجليد المزوَّد بمكبس هيدروليك وطابعة رقميّة، وأجهزةِ برش وتغرية لترميم المخطوطات والوثائق والحفاظ على قيمتها التّاريخيّة.
إنّ مركز الوثائق والمخطوطات ودراسات بلاد الشّام في الجامعة الأردنيّة، تحفةٌ معماريّةٌ لافتة، وصَرحٌ عمليٌّ يوثِّق للتّراثِ التّاريخيّ والثّقافيّ للمنطقة العربيّة. ومن خلال الجهود التي يبذلها العاملون فيه، يسعى المركز إلى الارتقاء بجمع الوثائق والمخطوطات وزيادة رصيده منها، وتبنّي دراسة تاريخ بلاد الشّام، وتحقيق المزيد من التّطوُّر التّكنولوجيّ بتوفير أحدث تقنيات الرّقمنة في حفظ ودراسة التّراث التّاريخيّ؛ للنّهوض بمكانة الجامعة فتصبحَ رائدةً بين الجامعات والمراكز العلميّة المصنّفة عالميًا.