سهى الصّبيحي
يواصل مركز حمدي منكو للبحوث العلميّة في الجامعة الأردنيّة ترسيخ مكانته كأحد أبرز المراكز البحثيّة المتخصّصة في الجامعة وعلى المستوى الوطنيّ، عبر مسيرةٍ حافلة بالإنجازات العلميّة والتّطوير المؤسّسيّ امتدّت منذ تأسيسه في 1999 وحتّى اليوم.
المركز الذي افتُتِح رسميًّا في 2009، تعود نشأته إلى مبادرةٍ من عليّ حمدي منكو تخليدًا لذكرى والده، حيث قام جلالة الملك عبد الله الثّاني بإزاحة السّتارة عن اللّوحة التّذكاريّة إيذانًا ببدء إنشائه في 2002.
ومنذ انطلاقته، عمل المركز على دعم البحث العلميّ التّطبيقيّ وتعزيز الشّراكة بين الباحثين وأعضاء هيئة التّدريس والطّلبة والقطاع الصّناعيّ، عبرَ توفير بنيةٍ تحتيّة بحثيّة متقدّمة تضمُّ مختبراتٍ متخصّصةً ومدرّجَ علي حمدي منكو، إضافةً إلى مكتب نقل التّكنولوجيا والمُلكيّة الفكريّة الذي انتقل إلى عمادة البحث العلميّ عام 2014.
بينما شكّل حصولُ المركز على جائزة الحسن بن طلال للتّميّز العلميّ عام 2012 محطّةً مفصليّةً في مسيرته، إذ عزّزت الجائزة قدراتِ المركز البحثيّة، وأسهمت في تطوير برامجه ودعم مشروعاته المستقبليّة، وترسيخ دَوره كمحرِّكٍ فاعلٍ لتقدُّمِ البحث العلميّ في الأردنّ.
رؤيةٌ واضحةٌ ورسالةٌ تنمويّة
وينطلق المركز من رؤيةٍ تتمثّلُ في أن يكونَ مركزًا بحثيًّا متميّزًا يركّز على قضايا التّنمية المستدامة محلّيًّا وعالميًّا، ويسعى من خلال رسالته إلى تهيئة بيئةٍ بحثيّة داعمة للأولويّات الوطنيّة، ومحفّزةٍ للإبداع، وقائمةٍ على الشّراكة مع مختلِف القطاعات.
ويركّز في أهدافه على بناء قدراتٍ وطنيّةٍ مستدامة، وتمكين الباحثين المتميّزين، وتهيئة بيئةٍ بحثيّة محفّزة ومنتِجة، وتفعيل الأنشطة العلميّة المجتمعيّة، مستندًا إلى قيم التّميّز والدّقّة والنّزاهة العلميّة، والتّعاون والتّبادل المعرفيّ.
مختبراتٌ متعدّدةُ المجالات
ويضمُّ المركز حاليًّا مجموعةً من المختبرات المتخصّصة ضمن ثلاثة حقولٍ علميّة رئيسة. ويحتوي المركز في حقل العلوم الطّبّيّة والصّيدلانيّة على مختبراتِ زراعة الخلايا، وأبحاث الفيروسات، والأحياء الدّقيقة، والحلول الصّيدلانيّة، وتطوير وتصميم الأدوية العقلانيّ.
أمّا في حقل علم وهندسة الموادّ فيضمّ المركز مختبراتٍ علم الموادّ ومركّبات المبلمرات النّانويّة، بالإضافة إلى مختبرات علوم التّقانات الحيويّة النّباتيّة وهي: مختبر وراثة النّباتات الجزيئيّة، ومختبر زراعة الأنسجة النّباتيّة، ومختبر الأحياء الدّقيقة الجزيئيّة، ومختبر المعلوماتيّة الحيويّة، والحاضنات النّباتيّة.
ويضمُّ أيضًا شعبة بيتِ الحيوان التي توفّر بيئةً بحثيّةً مُحكَمةً لتربية ورعاية حيوانات التّجارب وفقَ المعايير الدوليّة، وتدعمُ الباحثين في إجراءِ دراسات السميّة وفاعليّة الأدوية وأبحاث الأمراض، مع الالتزام التامّ بالمعاييرِ الأخلاقيّة وموافقات لِجان أخلاقيّات البحث العلميّ.
شراكاتٌ وتدريبٌ وخدمةُ مجتمع
ويؤدّي المركز دورًا محوريًّا في دعم أعضاء هيئة التّدريس وطلبة الدّراسات العليا، وعقد اتّفاقيّات التّعاون البحثيّ، وتنظيم المؤتمرات وورش العمل والدّورات المتقدّمة، ونشر نتائج الأبحاث في المجلّات العلميّة المحكَّمَة.
ويمتدّ نشاطه إلى خدمة المجتمع المحلّيّ من خلال استقبال طلبة المدارس، والإشراف على مشاريعهم البحثيّة، وتقديم الاستشارات العلميّة والخدمات المخبريّة للقطاعات الصّناعيّة، لا سيّما في مجالات الصّناعات الدّوائيّة والغذائيّة والكيميائيّة ومستحضرات التّجميل.
كما نفّذ المركز مشروعًا بحثيًّا للاستفادة من الطّاقة الشّمسيّة في تبريد بعض مختبراته، واستضافَ بعضَ طلبةِ الدّراساتِ العليا من جامعاتٍ خارجَ الأردنّ لإنجاز أبحاثهم باستخدام أجهزةٍ وتقنياتٍ غير متوافرةٍ في مؤسّساتهم.
تمويلٌ بحثيّ وإنتاجٌ علميّ
ويتميّز المركز بنشاطٍ بحثيّ مُتنامٍ؛ إذ شهدت الفترةُ من 2010 حتى 2014 دعم 23 مشروعًا بحثيًّا بقيمةٍ تجاوزت 342 ألفَ دينارٍ، نُشِرَ من خلالها نحوُ 69 ورقةً علميّة. كما حصل الباحثون على دعمٍ محلّيّ ودوليّ لأكثر من 28 مشروعًا إضافيًّا.
وخلال الفترة 2015–2020، قُدّم دعمٌ مباشرٌ لأربعة عشر مشروعًا، إلى جانب تمويل دوليّ ومحلّيّ تجاوز 450 ألفَ دينارٍ، وأسفرت هذه الجهود عن نشر أكثر من 105 أوراقٍ علميّة.
أمّا في الفترة 2021–2025، فحصل المركز على دعمٍ لمشروعٍ أوروبيّ، إضافةً إلى تمويل سبعةِ مشاريعَ بحثيّةٍ للباحثين العاملين فيه، ودعم تسعةِ أبحاثٍ من عمادة البحث العلميّ، وأربعة مشاريع بتمويلٍ مباشر من المركز، ليصل عدد الأوراق المنشورة إلى نحوِ 160 ورقةً علميّة.
ووَفقًا لمؤشّرات الاستشهاد العلميّ، ذُكِرَ المركز عنوانًا للباحثين أكثر من 460 مرةً في Google Scholar، ونحو 306 مرّات في قاعدة بيانات Scopus.
حضورٌ دوليّ وجوائز سنويّة للباحثين
في السّياق الدّولي، جاء انضمام المركز إلى المركز العالميّ للهندسة الوراثيّة والتّكنولوجيا الحيويّة عام 2013، خطوةً نوعيّة لتعزيز حضوره الخارجي بما يتيح استقطاب دعمٍ علميّ وماليّ للباحثين الأردنيّين.
أيضًا، يمنحُ المركز أربعَ جوائزَ سنويّةٍ مرموقة للباحثين في الأردنّ، تشمل جوائزَ علي منكو في مجالات العلوم والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والعلوم الصّحيّة، إضافة إلى جائزة خرّيجي الدّراسات العليا، وجائزة سامية منكو للباحثة المتميّزة. وينظّم المركز سنويًّا يومًا علميًّا للإعلان عن الفائزين، وعرض الملصقات العلميّة وأبرزِ نتائج الأبحاث المنفَّذة في مختبراته.
نظرةٌ مستقبليّة
وضمن رؤيته المستقبليّة للفترة 2020–2050، يعمل المركز على بناء فِرَق بحثيّة متعدّدة التّخصّصات، وتنفيذِ مشاريعَ مشترَكة ذاتِ نتائج تطبيقيّة مرتبِطةٍ باحتياجات المجتمع والصّناعة، وتعزيز نقل التّكنولوجيا الحديثة عبر التّعاون الدّولي.
كما يسعى لتوسيع مجالات البحث العلميّ، وربط المختبرات البحثيّة في الجامعة ضمن منظومة مختبراتٍ مركزيّةٍ شاملة، وإعداد برامجَ تدريبيّة للطّلبة والباحثين، وتحديث الأجهزة والتّقنيات، وزيادة مخصّصات دعم البحث العلميّ، واستقطاب باحثي ما بعد الدّكتوراه، وتوسيع نطاق الخدمات المقدَّمة لمؤسّسات المجتمع المحلّيّ.
من خلال أدائه دَورًا محوريًّا وطنيًّا فاعلًا في تطوير البحث العلميّ التّطبيقيّ، وتعميق الشّراكة بين الجامعة والمجتمع والقطاع الصّناعي، وبما ينسجم مع الأهداف الاستراتيجيّة للجامعة ويواكب أولويّات التّنمية المستدامة في الأردنّ، لاشكّ أنّ مركز حمدي منكو للبحوث العلميّة عزّز مسيرة الجامعة الأردنيّة العلميّة والبحثيّة وزاد ألَقَها تميّزًا وعطاءً علميًّا.