فادية العتيبي – داخل أسوار الحرم الجامعيّ وبينما ينشغل الطلبة في صوغ ملامح مستقبلهم وتحقيق أحلامهم على أُسُس من الرؤية والطموح تمضي الجامعة الأردنيّة في مسار موازٍ لا يقلّ عمقًا ولا طموحًا، مسار تعيد من خلاله إنتاجَ تميزها برؤية متجددة وخطى واثقة نحو الغد.
التزام راسخ بأن تصدق ما قطعته من وعود على نفسها في كل مرحلة مفصليّة من مسيرتها، وأن تظل رُبانا تقود المشهد التعليميّ والأكاديميّ، لا بالكلمات أو الشعارات الرنانة، بل بالأثر الملموس الذي يشهد عليه طلبتها وأعضاء هيئتيها التدريسيّة والإداريّة وروّادها يومًا بعد يوم.
ولا تكتفي الجامعة الأردنيّة بتاريخها العلميّ ورمزيّتها الأكاديميّة بوصفها مؤسسة تعليميّة عريقة، لتغدو بين مثيلاتها الأمّ والدرة، بل تتجاوز ذلك إلى فعل الإنجاز ذاته؛ إذ شرعت في تنفيذ سلسلة متواصلة من المشاريع الطموحة، بذلت في سبيلها جهودًا مُضنِية لتحويل الرؤى إلى واقع، إيمانًا منها بأنّ هذه المشاريع الكبرى ليست ترفًا تطويريًّا، بل استثمار إستراتيجيّ في المكان والإنسان معًا.
وقد عكفت الجامعة، وفي إطار خطتها للتطوير والتحديث المستدام خلال السنوات الأخيرة، على تنفيذ حزمة من المشاريع النوعيّة، أُنجز بعضها وبدأ أثره يتجلى بوضوح، فيما أوشك البعض الآخر على الاكتمال، شملت: تحديث بنيتها التحتيّة، وتطوير قاعاتها ومدرجاتها، واستحداث برامج أكاديميّة نوعيّة، إلى جانب إطلاق برنامج الاستعداد الوظيفيّ، ورَقْمَنة المحتوى التعليميّ عبر مركز التميز في التعلم والتعليم، في إطار رؤية شاملة تضع الطالب والمكان في صلب العمليّة التعليميّة، ناهيك عن توسع توجهها نحو التعليم التقنيّ، واستعدادها لإطلاق كلّيّة تقنيّة يجري العمل على إعداد بنيتها الأكاديميّة والإداريّة بكل عناية بما يعكس رؤيتها الطموحة نحو التعليم التقنيّ المستقبليّ.
وتفتح الجامعة الأردنيّة اليوم صفحة جديدة من تاريخ حرمها العريق، وتمضي بثبات نحو إعادة صياغة المكان بروح عصريّة، عبر مشروع شامل لتحديث الحرم الجامعيّ (Zoning ) ليجسّد رؤيةَ إدارتها في أن يكون التطوير - فعلًا - إبداعيًّا حيًّا يلامس تفاصيل الحياة اليوميّة لطلبتها والعاملين فيها، لا مجرد مخطط على الورق، ولتؤكد من جديد أنّ مسيرتها لا تعرف الملل، وأنّ التحديثَ لديها خِيار إستراتيجيّ لا حِقبة عابرة.
فهي وبحسب رؤيتها؛ ترى أنّ الأمكنة شأنها شأن الأفكار؛ تحتاج بين الحين والآخر إلى إعادة قراءة بأسلوب حديث، توائم احتياجات الجيل الجديد وتواكب تطلعاته، دون أن تفقدها ملامحها الأصيلة التي استحضرت بوصفها شاهدةً على مسيرة العلم وتفاصيل أيّام دراسة عبقت فيها نسمات من الذاكرة فغدت جزءًا من هُوية الجامعة ومن وجدانها.
وإدراكًا منها بأنّ التطوير الحقيقي يولد من صميم الأشياء، شرعت الجامعة الأردنيّة، بعيون تتأمل تاريخها وتحفظه، وأخرى تتطلع بثقة إلى المستقبل، في تنفيذ مشروع تطويريّ انطلقت مرحلته الأولى فعليًّا، ليمنح المكان روحًا متجددة دون أن يفقده ملامحه التي شكلت ذاكرة لأجيال متعاقبة.
مستندةً في مشروعها هذا لمخططات وتصاميم عصريّة تعيد تشكيل المِساحات لتغدو أكثر حيويّة وتفاعلًا، وليبقى الحرم الجامعيّ نابضًا بالحياة.
ويجري تنفيذ أعمال المشروع الذي جاء بتوجيه من رئيس الجامعة الأردنيّة الدّكتور نذير عبيدات بهدف توفير بيئة تعليميّة متكاملة تراعي احتياجات الطلبة، وتسهم في تعزيز جَودة الحياة الجامعيّة؛ من خلال كوادر دائرة الهندسة ودائرة الصيانة ودائرة الخِدمات المساندة والعطاءات، وبتعاون مباشر مع دائرة الأمن الجامعيّ، ضمن تنسيق ممنهج تقوم عليه لجنة عليا للتحديث الإنشائيّ جرى تشكيلها برئاسة نائب الرئيس للشؤون الإداريّة والماليّة والتحول الرَّقْميّ الدّكتور زياد الحوامدة، وعضويّة ممثلين عن تلك الجهات، وذلك لضمان سير العمل بتراتبيّة متناسقة، ووَفق أعلى المعايير المعتمدة.
وجاءت أولى مراحل المشروع الذي من المتوقع أن تمتد أعماله مدة سنتين كاملتين بإشراف مباشر من قبل الكوادر والفرق الهندسيّة والفنيّة المتخصّصة؛ في تطوير محيط مبنى إدارة الجامعة ومنطقة برج الساعة، عبر تحسين المسارات والممرات وتجميل المشهد الحضاريّ في الموقع، بما يعكس الطابع العمرانيّ المميز للجامعة الأردنيّة، ويلبّي تطلعات أسرة الجامعة وزوارها.
وكانت الجامعة قد انتهت من أعمال تطوير شارع المكتبة الممتد من البوابة الرئيسة وصولًا إلى برج الساعة، باعتباره أحدَ المحاور الرئيسة في الحرم الجامعيّ وأكثرها حيويّة، وباشرت في استكمال الجزء المحيط بمنطقة برج الساعة؛ آخذةً بعين الاعتبار تحسينَ الجوانب الجماليّة والبصريّة للمنطقة مع الحفاظ على سلاسة الحركة المروريّة وحركة المشاة فيها باعتبارها من المناطق الأكثر اكتظاظًا لتجمعات الطلبة.
وبلغت المِساحة الإجماليّة للمرحلة الحاليّة من المشروع نحو (7,500) متر مربع، تم إنجاز ما نسبته 72% منها، ومن المتوقع استكمال ما تبقى خلال مدة لا تتجاوز (30) يومًا.
وضمن جدول زمنيّ مدروس يراعي استمراريّة العمليّة التعليميّة، ويضمن تنفيذ الأعمال دون التأثير على سيرها، سيتم في مرحلة لاحقة البدء بتنفيذ أعمال التحديث والتطوير في الشوارع المتفرعة من منطقة برج الساعة باتجاه كلّيّات: العلوم التربويّة واللغات الأجنبيّة والآداب ومطعم الجامعة والنشاط الرياضيّ، بمِساحة إجماليّة تقدر ( 18) ألف متر مربع.
وفي السياق ذاته، وتأطيرًا لتكامل الجهود ضمن مشروع تحديث الحرم الجامعيّ، بادر عدد من كلّيّات الجامعة، من بينها كلّيّة العلوم والصيدلة والتمريض والزراعة، إلى تحديث وتزيين محيطها الخارجيّ، بما ينسجم مع هُويّة الجامعة، ويعزز بيئة تعليميّة أكثر أمانًا وجاذبيّةً، في مشهد يعكس شراكة فاعلة بين إدارة الجامعة والكلّيّات، ويؤكّد أنّ المشروع يقوم على نهج تشاركيّ.
وكانت كلّيّة الزراعة بعدد من أكاديميّيها وفنيّيها وطلبتها قد انتهت مؤخرًا من تنفيذ أعمال الحديقة الداخليّة للكلّيّة، وذلك في إطار الاهتمام بتطوير مرافقها الداخليّة وتعزيز المِساحات الخضراء داخل مبانيها، بما ينسجم مع أهداف المشروع ويعزز من هُويّتها البصريّة، فيما تلتزم باقي الكلّيّات وهي تسابق الزمن في العمل على تطويرِ المظهرِ لمحيطها ومرافقِها، بما ينسجم مع توجهات الجامعة في إبرازِ الحرمِ الجامعيّ بوصفه بيئة تعليميّة عصريّة ومريحة.
الراعي الرئيس لمشروع تحديث الحرم الجامعيّ رئيس الجامعة الأردنيّة الدّكتور نذير عبيدات ووَفق رؤيته التطويريّة أكّد في تصريحات صحفيّة له أنّ مشروع تحديث الحرم الجامعيّ جاء استكمالًا لمسارات تطويريّة واسعة انتهجتها الجامعة خلال السنوات الأخيرة، إلا أنّ تحديث الحرم الجامعيّ يبقى المشروع الأشدّ التصاقًا بالذاكرة اليوميّة للطلبة؛ كونه يعيد تشكيل مِساحات تحتضن تفاصيل حياتهم الجامعيّة.
وأوضح عبيدات أنّ المشروع لا يقتصر على الجانب الجماليّ فقط، بل يؤطر لرؤية الجامعة في توفير بيئة جامعيّة متكاملة تعزز شعور انتماء الطلبة لجامعتهم لما يسهم فيه من تحسين جَودة الحياة الجامعيّة، فالمكان يُعدّ جزءًا أساسيًّا في دعم العمليّة التعليميّة وبناء تجرِبة جامعيّة ناجحة.
وأعرب رئيس الجامعة عن أمله في أن يخرج المشروع بالصورة المشرفة التي تليق بمكانة الجامعة وأن يحقق أهدافه وتطلعاته، مشيرًا إلى أنّ العمل في إنجازه يتم على قدم وساق ووَفق جدول زمنيّ مدروس يراعي فيه استمراريّة العمليّة التعليميّة وسلامة الطلبة وزوار الجامعة.
من جانبه، قال نائب الرئيس للشؤون الإداريّة والماليّة والتحول الرَّقْميّ/ رئيس اللجنة العليا للتحديث الإنشائيّ للمشروع الدّكتور زياد الحوامدة: إنّ العمل يجري وَفق خطة تنفيذيّة رُوعِيَ فيها توزيعُ المهامّ والجهود على مراحل، وبالتنسيق مع مختلف الدوائر المختصّة وكلّيّات الجامعة المختلفة، مؤكّدًا أنّ اللجنة تتابع مجرياتِ العملِ تَكّةً بِتَكّةٍ على أرض الواقع؛ إذ تجري جولات تفقديّة ميدانيّة للوقوف على آليّة سير التنفيذ، مع توفير التسهيلات والإجراءات الإداريّة والفنيّة والهندسيّة التي قد تعيق حيثيّات العمل، لضمان تحقيق الأهداف المرجوّة، والنتائج المتوقّعة.
وأوضح الحوامدة في ردّه على آليّة اختيار المواقع التي بدأ العمل على تطويرها في الحرم الجامعيّ، أنّ اللجنة ارتأت أن تبدأ العمل بالمشروع في مرحلته الأولى بالشارع المحاذي لمكتبة الجامعة وذلك بناءً على أولويّات الاستخدام والكثافة العالية للطلبة والزوار، لتتوالى المراحل تِباعًا، وتشمل مختلف مرافق وشوارع الحرم الجامعيّ، كما سيتم الإعلان عن كل مرحلة تم إنجازها والمرحلة المَنْوِيّ البدءُ فيها أوّلًا بأوّل.
هكذا هي الجامعة الأردنيّة، فمن خلال مشروع تحديث حرمها الجامعيّ؛ تحرص على الجمع بين التميز الأكاديميّ والبعد الجماليّ والإنسانيّ، وترسيخ معادلة أقطابها الأصالة والتجديد، مؤكّدةً بذلك دورَها بوصفها مؤسّسةً وطنيّة رائدة لا تكتفي بأن تكون منارةً للعلم فقط، بل فضاء جامعيّ يحتضن طلبته ويوفّر لهم بيئة تعليميّة متكاملة تعبق بالإلهام وتغمرهم بالأمان.