فادية العتيبي- في عصرِ الدّيجيتال؛ حيث تتزاحم الصُّور، وتتسابق منصّات التّواصل الاجتماعيّ، وتتنافس الشّاشات على خطف الانتباه، يظلُّ للصَّوت ذلكَ الحضورُ الذي لا يَبهت، حضورٌ لا يحتاج إلى إبهارٍ كي يَصِل، ولا إلى استعراضٍ كي يُقنع، ولا إلى بريقٍ كي يؤثّر.
ففي جَوهر الصَّوت؛ مفارقةٌ غريبة، لا يُرى لكنَّهُ يُحسُّ، ولا يُلمَس لكنَّه يَترك بصمته في الوِجدان، هو القادر على أن يَعبُرَ المسافاتِ بكلِّ هدوء، وأن يَصنَعَ أُلفةً خفيَّةً بين المُرسِل والمتلقّي، وأن يختصر المسافةَ نحو القلب، وأن يتسلَّلَ إلى الذّاكرة دون أيّ استئذان، فيخلُدَ فيها طويلًا، حيث لا تصلُ الصُّورةُ أحيانًا، بعد أن يمنحَ الكلماتِ روحًا أخرى حين تُقال بصدق، ونبضًا مختلِفًا حين تحملُها نبرةُ إنسانٍ صادق.
وفي هذا الفضاء المزدحم بالضّجيج البصريّ؛ ينبثق صباحَ كلِّ يومٍ من قلب الجامعة الأردنيّة هذا الصّوت، لا بوصفه بثًّا مباشرًا عابرًا للوقت، بل وجودًا حيًّا يتسلّلُ إلى تفاصيل حياتنا بهدوءٍ ودفء؛ إنّها إذاعة الجامعة الأردنيّة؛ صاحبةِ الرّواية التي لا تُقرأ، بل تُسمع، والنّافذة التي لا تُرى، لكنّها تمدُّنا لبلوغ آفاق المعرفة والحِوار والإنسان.
وإيمانًا منها بسموّ الكلمة وأثرها بين سطوة الصّورة وسحر الصّوت، تُواصِل إذاعة الجامعة الأردنيّة أداء رسالتها الإعلاميّة بوصفها منصَّةً معرفيّةً وثقافيّةً تجمع بين الهويّة والمهنيّة، وكيانًا نابضًا يشبه نبضَ المكان الذي وُلِدت فيه، يحمل روح الجامعة، ويُترجم رسالتها العلميّة والتّعليميّة والثّقافيّة إلى خطابٍ قريبٍ من النّاس.
وتفتح للجامعةِ نافذةً حيويّةً على المجتمعَين الجامعيّ والمحلّيّ، مشيّدةً جسورًا من العلم والفكر والمعرفة، حتى تبدوَ موجاتها وكأنّها امتدادٌ للحَرَم الجامعيّ نفسِه؛ فهي ليست مجرّدَ أَثيرٍ يَبُثُّ البرامج، بل مساحةٌ تتقاطعُ فيها ثلاثيّة الخبرة الأكاديميّة والحسّ الإنسانيّ والشّغف الإعلاميّ، لتولّد محتوًى يعكس تنوّع الجامعة وروحها.
وكما هو معروف، لطالما تجاوزَت إذاعة الجامعة الأردنيّة دَورها التّقليديّ لتصبحَ مساحةً للتّدريب والإبداع، ومنصّةً تلتقي فيها المواهب الشّابّة مع الخبرات الأكاديميّة، فتُصقَلُ المهاراتُ، وتَتولَّدُ الأفكار، ويتشكّل وعيٌ إعلاميٌّ جديد ينسجم مع رسالة المؤسّسة التّعليميّة.
وفي زمن السّرعة الرّقميّة؛ لم تتزعزع مكانتها، بل ازدادت قيمةً، وحافظت على سرّها في أن تُزاوِجَ بين الصّوت والإنسان؛ لما تقدِّمُه لمستمعيها من معانٍ نبيلةٍ تعبّر عن البساطة والقرب والإحساس بأنّ هناك من يخاطبهم مباشرةً، لأنّها باختصارٍ صوت أمّ الجامعات حين تعبّر، وذاكرتها حين تُوَثّق، وجسرها حين تمتدّ نحو المجتمع.
ومع حلول شهر رمضان المبارك، تتبدّلُ نبرة الصّوت وتتطوّر قليلًا، وتكتسب الموجات بعدًا آخر لنوعيّة المحتوى الذي يواكب خصوصيّة هذا الوقت من الزّمن فتغدو أكثر قربًا من الرّوح والمشاعر الإيمانيّة، وأشدّ التصاقًا بالقيم والمعاني التي يحملها الشّهر الفضيل، فلا يعود صوتها مجرّد رفيقٍ لساعاتٍ على امتداد أيّام، بل وقفةَ تأمّل تتقاطع فيها القيم مع الحياة، وتجد النّفوس فيها إيقاعًا مختلفًا ينسجم مع خصوصيّة هذا الشّهر وطمأنينته.
فبعد نجاح انطلاقتها المتجدّدة في نوفمبر الماضي، تُواصِلُ إذاعة الجامعة الأردنيّة مسيرة التّطوير، معلنةً عن دَورةٍ برامجيّةٍ جديدةٍ تتزامن مع حلول شهر رمضان المبارك؛ تجيء برؤيةٍ أكثرَ حداثة تعزّز حضورَها بوصفها منصّةً إعلاميّةً تعليميّةً وثقافيّةً تواكب اهتمامات الطّلبة والمجتمع.
وتعكس الدّورة الخاصّة بالشّهر الكريم؛ حرص القائمين عليها على التّجديد المستمرّ، من خلال تطوير أساليب التّقديم والمحتوى، بما يرسّخ الرّسالة الإعلاميّة الجامعيّة الهادفة التي تنتهجها الجامعة الأردنيّة في مختلِف منصّاتها الإعلاميّة والرّقميّة.
وتتضمّن الدّورة الجديدة برامج متنوّعةً تنسجم مع خصوصيّة الشّهر الفضيل، تجمع بين الدّينيّ والتّثقيفيّ والحواريّ وكذلك التّرفيهيّ، في طرحٍ قريبٍ من الجمهور، قادرٍ على ملامسة قضاياه، بما يعزّز الوعي ويثري المعرفة، ويؤكّد دَور الإعلام الجامعيّ بوصفه شريكًا استراتيجيًّا في خدمة المجتمع.
وتغلب على تلك البرامج الرّوح الإيمانيّة المرتبطة بأجواء رمضان وقيَمه، حيث تحاكي في محتواها موضوعاتٍ في التّفسير والفقه والوعظ والإرشاد الأُسريّ، إلى جانب تلاواتٍ قرآنيّة وابتهالاتٍ تبعث السّكون والهدوء في الأنفس، ناهيك عن مساحاتٍ حواريّة تعالج قضايا مجتمعيّة من منظورٍ دينيّ معتدل، تلامس حياة الصّائم اليوميّة؛ فضلًا عن برامجَ ترفيهيّةٍ تفاعليّة تقوم على الحوارات الدّراميّة والمسابقات والأسئلة الثّقافية الرّمضانيّة والجوائز الرّمزيّة، سعيًا منها إلى إدخال البهجة، وتعزيز التّواصل مع المستمعين في رسالةٍ تمزِج بين الفائدة والمتعة.
ويشارك في تقديم الدَّورة البرامجيّة نُخبةٌ من الأكاديميّين والمتخصّصين والإعلاميّين، إلى جانب طلبة الجامعة المتطوّعين وأصحاب المواهب الإعلاميّة، في توليفةٍ متناغمة تجمع بين الخبرة والطّاقات الشّبابيّة، وتعكس توجُّهَ إذاعة الجامعة الأردنيّة نحو إتاحة المساحة للطّلبة لاستثمار قدراتهم وتمكينها وَفق أسسٍ مهنيّة حديثة تواكب متطلّبات الإعلام المعاصر، ما يعزّز من دَورها كذراعٍ إعلاميّ؛ إبداعيّ وتدريبيّ.
وتضمُّ الدَّورةُ البرامجيّة الرّمضانيّة باقةً متنوّعةً من البرامج الجديدة والمتجدّدة، إلى جانب برامجَ راسخةٍ شكّلت هويّة الإذاعة لدى جمهورها؛ ومن أبرز البرامج: "خير الشّهور" الذي يقدّمه نخبةٌ من العلماء المتخصّصين في العلوم الشّرعيّة، ويناقشُ فضائلَ رمضانَ وأحكامَه وقيمَه الرّوحيّة بأسلوب علميّ مبسّط، وبرنامج "أنت ورمضان" الذي يركّز على البعد الإيمانيّ والسّلوكيّ للشّهر الكريم وكيفيّة استثماره في بناء الذّات والسّيطرة على النّفس، فيما يأتي برنامج "بادر بالخير" لتعزيز ثقافة العمل التّطوّعي والمبادرات الإنسانيّة خلال الشّهر الفضيل.
أمّا برنامج "معقولة؟" فيقدّم محتوًى توعويًّا بأسلوب خفيف يحمل طابعًا كوميديًّا يعالج بعض السّلوكات المجتمعيّة اليوميّة، بينما يسلّط برنامج "من الجامعة" الضّوء على أخبار الحرم الجامعيّ وأنشطته، فيما يأتي برنامج "يسألونك في رمضان" بالتّعاون مع دائرة الإفتاء العامّ للإجابة عن استفسارات الجمهور الفقهيّة المرتبطة بالصّيام والعبادات، في حين يرافق برنامج "قبل الغروب" المستمعين قبيل أذان المغرب بفقرات روحانيّة وتأمّلات إيمانيّة تمهّد لأجواء الإفطار.
أمّا برنامج "فوانيس" فيحمل طابعًا ترفيهيًّا وتفاعليًّا قائمًا على المسابقات والأسئلة الثّقافيّة والأجواء الرّمضانيّة المرحة، بينما يجيء برنامج "نقطة سكون" في قالبٍ هادئٍ تأمليّ يطرح موضوعاتٍ إنسانيّةً وإيمانيّةً تعزّز الصّفاء الدّاخليّ.
وفي موازاة ذلك، تحافظ الإذاعة على برامجها التي أصبحت علاماتٍ مميّزةً في خارطتها البرامجيّة، مثل "صوت الأردنيّة" الذي يعكس نبض الجامعة وقضاياها، وبرنامج "برج السّاعة" ذي المحتوى المتنوّع، وبرنامج "علوم أهلنا" الذي يستعرض الموروثَ الأردنيّ الشّعبيّ والخبرات المجتمعيّة، إضافةً إلى برنامج "حكيم" الذي يقدّم محتوًى صحّيًّا توعويًّا يخدم مختلِف فئات المجتمع، في مزيجٍ من البرامج ؛ يجمع بين الأصالة والتّجديد ويعزّز ارتباط الجمهور بالإذاعة.
تعقيبًا على ذلك، قال مدير وحدة الإعلام والعلاقات العامّة والإذاعة في الجامعة الأردنيّة الدّكتور راكان أبو عرابي: إنّ الدّورة البرامجيّة الجديدة الخاصّة بشهر رمضان المبارك، تأتي امتدادًا لمنظومة التّطوير التي تنتهجها إذاعة الجامعة الأردنيّة والهادفة إلى تقديم محتوًى إعلاميٍّ نوعيّ يجمع بين المعرفة والمتعة والفائدة.
وأضاف أنّ إعداد الدّورة جاء بعنايةٍ فائقةٍ سواءً على مستوى الأفكار والمحتوى أو على مستوى أساليب التّقديم، بحيث تكون أكثر انسجامّا مع روح الشّهر الفضيل، وأقرب إلى تطلّعات جمهور المستمعين، وأكثر التصاقًا باحتياجاتهم؛ لترافقهم على مدار اليوم وفي فتراته المختلفة، من الصباح وحتى ما بعد الإفطار، في مزيجٍ يجمع بين البعد الإيمانيّ والتّثقيفيّ والتّرفيهيّ في آنٍ واحد.
وأكّد أبو عرابي أنّ الانطلاقة القويّة التي شهدتها إذاعة الجامعة في شهر نوفمبر الماضي؛ شكّلت حافزًا ومسؤوليةً لمواصلة مسيرة التّحديث والتّطوير، سواءً في الشّكل البرامجيّ أو في أدوات التّقديم، مع الحفاظ على الهويّة الأكاديميّة والمجتمعيّة التي تميّز الإذاعة، مشيرًا إلى أنّ الدَّورة الجديدة تعكس رؤية إذاعة الجامعة في تقديم إعلام جامعيّ معاصر يقوم على المهنيّة والابتكار ويخدم المجتمع، ويواكب التّحوّلات المتسارعة في المشهد الإعلاميّ، إيمانًا منها بأنّ للإعلام دَورًا في بناء الإنسان لا يقلّ أهمّيّةً عن دَوره في نقل الخبر.
وختامًا؛ ستكون حتمًا الدّورة البرامجيّة الرّمضانيّة لإذاعة الجامعة الأردنيّة؛ تجرِبةً فريدةً سترافقكم مستمعينا على مدار يومكم، من الصّباح وحتى ما بعد الإفطار، وتكونون في المقابل جزءًا من رحلتها الإعلاميّة التي تعكس نبض الجامعة وروح الشّهر الفضيل، وتمنحكم لحظات من الطّمأنينة والبهجة والمعرفة في آنٍ واحد.
لذا ندعوكم متابعينا إلى الغَوص في برامجها والانغماس في مضامينها، وأيضًا إلى الاستمتاع بفقراتها المتنوّعة فلا تفوّتوا الفرصة.